المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

عزيزي العريس

تم النشر: تم التحديث:

عزيزي العريس.. من المفترض أن نكون أنا وإياك من الجيل ذاته، ولذلك لن أبدأ رسالتي هذه بعبارة "تحية طيبة وبعد.."، التي صارت حِكراً على المراسلات الرسمية والحكومية، ولا أظن أن ما زال لنا الحق في استعمالها.

فدعني في البداية أسألك عن أحوالك، وعما وصلت إليه خطتك العظيمة لإيجاد بنت الحلال التي ستقضي معها ما تبقى من حياتك.

هل انتبهت لنهاية الجملة السابقة؟ "ستقضي معها ما تبقى من حياتك"، واسمح لي أن أناقشك بعض الشيء في تفاصيل تلك العبارة المعقدة والمليئة بالشروط والفرضيات.

فقرار الارتباط هذا من أصعب وأخطر أنواع القرارات التي يمكن لفرد أن يتخذها، وأعتقد أن الأمر ازداد صعوبة وخطورة في جيلنا الحالي على عكس جيل جدك وجدي، فقد كان الأمر في حياتهم كحلقة في سلسلة لا بد أن يمر بها كل فرد في مرحلة عمرية معينة، وهناك دائماً هذا الشخص "المناسب" الذي لا يمكن رفضه.. فهو شخص كامل الأوصاف فلِمَ لا؟!

كانت الفتيات يحتجن إلى الدعم المادي و"العريس المتريّش" والرجال عادة ما يحتاجون إلى تلك التي تُحافظ على بيوتهم وتهتم لأمرهم أو لتكمل مظهرهم الاجتماعي، وهي أمور مقبولة ومنطقية بالنسبة للعصر الذي نتحدث عنه، والدليل على ذلك أن نسب الطلاق حينها لم تكن في ازدياد خيالي كأيامنا الآن، هل أطلت الحديث عن السلف؟ اعذرني، إنه فقط للتوضيح.

رُبما كنت أنت هذا الشخص المناسب، الذي تجتمع فيه كل مواصفات العريس المطلوب، ولكن هذا لا يتفق مع العصر الذي غدونا فيه نحن الآن، العصر الذي لن أحتاج إليك فيه كدعم مادي، ولن تحتاجني فيه كـ"مديرة منزل" تدبر لك شؤون بيتك.

وربما حسدت هؤلاء الذين لم تكن لهم صعوبات في الأمر مثلنا، وكان أمر الزواج بالنسبة إليهم أسهل منه إلينا بكثير؛ لأن تلك الشروط والقواعد التي وضعوها كانت سهلة التحقق، وهم لا يطمعون بغيرها ولكن ماذا عنّا نحن؟!

لم يتبقَّ لنا من تلك الشروط إلا القليل، وحتى ذلك الذي تبقى لم يعد حقاً كافياً لقرار زواج في هذا العصر، وذلك الذي من المفترض أن يدفعنا إلى خلق شروطنا الخاصة بنا، والتي حتى وإن كانت قليلة، لكنها الأمر بالنسبة إلينا.. وما زلت مؤمنة أن جيلنا البائس الذي يعيش في عهد المتغيرات والأحداث السريعة والصعوبات على كل المستويات لم يعد محتاجاً إلى زواج يقلل عنه نفقات أو يقوم بترتيب منزله، بل هو جيل يحتاج إلى المشاركة والحب الخالص.

إن أمر الزواج بالنسبة لأغلب أجيالنا لم يعد "الحياة كلها"، بل صار مجرد جزء من الحياة التي تنقلنا بين طياتها بسرعة فائقة، وذلك يعني أن الأمر لم يعد ضرورياً ضرورة قصوى كما كان من قبل، فحتى "كلام الناس" صار أغلبنا يضرب به عرض الحائط.. فحدثني عزيزي العريس ما هي مبرراتك الحقيقية للزواج؟

سأجيبك أنا أيضاً، بالنسبة لي، الزواج ما هو إلا الالتقاء بشخص مُحدد جداً يضعه القدر في طريقك تشعر تجاهه أنك ترغب في أن تكمل بقية حياتك في صحبته، وهذا الشخص فقط دوناً عن بقية البشرية.. فإما هو/هي وإما فالوحدة أفضل، وإن لم يصادفك معه الحظ، ووقفت بينكما عوائق وسدود، فإنك ستنتظر لتشعر الشعور ذاته فيما بعد نحو شخص آخر.

أنا فقط مؤمنة أن الحب والمشاركة و"الصُّحبة" هي التي تبقى لنا كمُتنفس للحياة وكشيء من البهجة والراحة في تلك الحياة التي استعمرتها التكنولوجيا وحاربتها الهموم يوماً بعد يوم.

لم يعد لي عقل يقتنع بأن "الحب بييجي بعد الجواز "، فلعل العبارة تحتاج إلى بعض التصليحات اللغوية، فما يأتي عقب الزواج هو "العِشرة" وليس الحب.. وهذه العشرة يمكن الشعور بها تجاه أي فرد في الكون لو كان يحل محل زوجك/زوجتك، أما الحب فهو اختيار محدد دقيق بغير إرادة صاحبه.. هو قبول القلب والعقل معاً لشخصٍ ما يسكنهما ولا يفسح المجال لغيره من البشر، لكي يسكنوا مكانه.

وإنني هنا لا أقلل من قيمة تلك العِشرة، ولكنني فقط أرى أن قيمة الحب تتفوق عليها بكثير.

وأنت ما رأيك؟ هل توافرت شروط الحب تلك عندما قمت بإبلاغ من حولك أنك تبحث عن "عروسة"، وطلبت منهم ترشيح عدد من الفتيات لكي تختار من بينهن رفيقة حياتك؟ أم أنك تعتقد أن والدتك الفاضلة التي اتخذت القرار بدلاً عنك هي التي ستقضي ما تبقى من حياتها مع تلك التي وقع عليها الاختيار؟

أم أنك ليس لديك الوقت كي تسمح لنفسك بفرصة الالتقاء بشريكتك التي ستجمعك بها علاقة حب تؤول إلى الزواج ففضلت تلك الطريقة العشوائية؟ أم أنني فقط الشخص المناسب؟ فإنك حين شعرت أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوة الزواج جلبت ورقة وقلماً ومضيت تكتب مواصفات الشخصية التي يجب الارتباط بها، ووجدت أن أغلب تلك المواصفات موجودة لدي، لكن دعني أعترف لك بأنها بالطبع موجودة أيضاً في غيري! فأي منّا ستختار؟ وعلى أي أساس؟ على أساس التي التقيت بها أولاً؟ أم على أساس من تحرز أهدافاً أكثر في مباراة مواصفات فتاة أحلامك؟

إنني في النهاية لا أقول إن الحب يكفي لإقامة زاوج ناجح وحياة مثالية، وهناك الكثيرون ممن حولي جمعتهم عاطفة الحب القوية وفشل زواجهم في النهاية، فالحب ليس المقياس الوحيد للأمر، لكنني ما زلت أطمع في أن تحظى حياة هذا الجيل -البائس- بشيء من نقاء الحب ولذته، وأن يهبنا مبرراً إضافياً لاستكمال رحلة الحياة، وربما كنت أنا في النهاية التي ستتزوج بدون حب على الإطلاق، فلم تعد لدي الثقة الكافية بما تحمله لنا طيات الزمن من مفاجآت، لكنني وحتى تلك اللحظة ما زلت متمسكة بإيماني القوي، وأظن أنني سأظل محتفظة به بداخلي، حتى وإن أتت الرياح بما لا تشتهيه حياتي المُقبلة.

عزيزي العريس، أختتم رسالتي بأن أتمنى لك من قلبي أن تصادف حباً صادقاً في رحلة حياتك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.