المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

مساواة.. ولكن

تم النشر: تم التحديث:

تصفيق حاد تتخلله كلمات الثناء والشكر والإعجاب ونظرات تعبر عن القوة والنصر التي تسقي غرورها وتشبعه تماماً، تشعر بنشوة تأثيرها فيمن حولها من نساء وفتيات يشعرن بالظلم والقهر في هذا المجتمع الذي يتهمنه بكونه ذكورياً لا يساوي بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات.. كنّ يصفقن بشدة وكأنها تلقي خطبة أمامهن عن خطة مُحكمة لتحرير أراضي فلسطين، والحماسة تقفز من بين أعينهن مُحتلة نظرات القهر والشعور بالضياع الذي اصطحبهن في رحلتهن إلى مقر الجمعية.

بعدما شعرت بالارتواء الكامل من معالم الإعجاب التي تتناثر حولها، سارعت بالانصراف لتتمكن من الوصول إلى بيتها مبكراً، فهي زوجة ومسؤولة عن طفل لم يبلغ سوى الخمس سنوات فقط.. وكانت تحمل لزوجها وطفلها الكثير من مشاعر الحب والاحتواء، ولكن لم يمنعها ذلك من حب جمعيتها المناصرة لحقوق المرأة -التي دائماً ما تعتقد أنها مسلوبة- وإعطائها وقتاً كثيراً يكاد يزيد على الوقت الذي تقضيه مع طفلها الذي ما زال في حاجة إليها.

اتجهت نحو محطة المترو الأقرب إليها؛ نظراً لتعطل سيارتها في الصباح واستعجالها للوصول لندوتها في الوقت المناسب، انتظرت وصول المترو لبضع دقائق دون أن تعبأ بأمر الركوب في عربة السيدات أو غيرها، وحين جاء المترو ركبت بعدم اكتراث بالعربة المختلطة، التي غالباً ما تحمل عدداً أكبر من الرجال عن النساء، كان المترو مزدحماً كعادته، فاضطرت للوقوف، في ضيق وضجر وتأفف، تتأمل الجالسين حولها من الرجال، مستنكرة كيف لهم أن يظلوا جالسين بينما هي واقفة، كيف لهم ألا يعرضوا عليها الجلوس، وتحدث نفسها قائلة: "البلد ما فيهاش رجالة"، وكأنما تلك التي كانت تدعو للمساواة راحت مع مهب الريح، وانتهى ما تدعو إليه مع انتهاء ندوتها.

وما إن وصلت إلى بيتها حتى قامت باستجواب زوجها إذا كان قد اشترى تلك القائمة الطويلة التي كانت قد أملتها عليه في التليفون، على الرغم من أنه كان يوم إجازته التي يفضل قضاءها مع أسرته، التي تقتصر فقط على ابنه؛ لكون زوجته تخصص إجازتها لجمعيتها الموقرة، ورغم رغبته الشديدة في أن تقضي معه هذا اليوم فإنه لم يكن يعارض رغبتها، ليس خوفاً منها، ولكن احتراما لها وحباً، وكان يعلم اعتراضها الشديد جداً على شراء أي شيء للمنزل وتتبرم لذلك قائلة له: "هو مين فينا الراجل هنا؟!"، رغم مرورها في طريق عودتها على كل أنواع المحلات، فإنها تكتفي بإخباره باحتياجات المنزل وتنتظر منه هو أن يلبي تلك المتطلبات.

ولم يكن رفضها يقتصر فقط على فكرة النزول لقضاء حاجات المنزل، بل على إنفاق أي قرش من راتبها لأجل تلك الاحتياجات، فقد اتفقت معه منذ بداية تعارفهما على أنها لا تقبل بزوج يرفض عمل المرأة، فهذا يعد تعدياً على حقوقها التي تتمسك بها جداً، ولكنها في الوقت ذاته ترفض وبشدة أن تنفق من راتبها على نفقات المنزل، فراتبها من أجلها فقط، ومن أجل احتياجاتها الشخصية، لا من أجل البيت.. إلا في حالات الضرورة القصوى التي لم تضع لها تعريفاً محدداً، وحين أخبرها أن معنى كلامها أن الرجل والمرأة ليسا متساويين في الحقوق والواجبات، قالت له: "هو في راجل يقبل إن ست تصرف عليه؟"، وكأن نفقات المنزل الذي تشاركه فيه يعد "ست تصرف عليه".

كان زوجها قد تفهم واستوعب طباعها الغريبة وقَبِل بها، وهو في قرارة نفسه مؤمن أنها تُعوض بتلك المظاهر نقصاً يكمن بداخلها لأي سبب من الأسباب، فلم يكن كثير التعليق أو الاعتراض فيما يخص آراءها الغريبة حول عدم المساواة بين المرأة والرجل في البلاد العربية، ويستمع إلى حديثها عن ندوتها العظيمة مُظهراً اهتماماً متصنعاً بما تقول، بينما يتعجب في قرارة نفسه كيف لهؤلاء النساء أن يطالبن بالمساواة في كل شيء بينما لا يوافقن على الوقوف في المترو، وعلى إنفاق الراتب في شؤون المنزل، وعلى شراء بعض الأشياء في طريق العودة.

حين انتهت من حديثها عن يومها الشاق المليء بالإنجازات على مستوى جمعيتها، وبعد أن غمرها شعور وهمي بإعجاب زوجها بطموحها وأعمالها الهامة، أخبرته أنها متعبة جداً فليتولى هو أمر إحضار الطعام والاعتناء بالطفل، بينما ستغفو هي قليلاً؛ لأنها ستقضي الليل كله في تحضير الكلمة التي ستلقيها في الندوة القادمة، بعنوان "اعرفي حدود واجباتك".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.