المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

توقيع عقد صداقة

تم النشر: تم التحديث:

لكل منّا نقاط تحول في الحياة، تنقلب فيه الأيام والظروف رأساً على عقب ربما للأفضل أو للأسوأ، وفي الحالتين يصعب على الإنسان تحمل نقاط تحول حياته بمفردة.. يصعب علينا دائماً أن نقف بلا سند ولا صاحب ولا ونيس في مهب الريح، وحين تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن يصعب الإبحار أكثر، إذا كان قبطان السفينة وحيداً لا يجد حتى من يتحمل معه ما تأتي به الرياح.. حتى في نقاط التحول ذات الطابع الحسن، دائماً ما تنقصها شيء إذا كان الإنسان وحيداً..

إذا لم يتمكن من مشاركة إنجازاته الصغيرة أو لحظات سعادته مع من يهتمون لأجله حقًّا وعلى استعداد لمشاركته تلك المشاعر أو غيرها.. في الوِحدة كل شيء صعب ومؤلم أو غير مكتمل.

فإذا كانت الوِحدة أمراً هيناً يسيراً ولسنا في حاجة إلى البشر ما كان الله خلقنا في مجتمعات، بل كان خلقنا في جُزرٍ متباعدةٍ لا نرى ولا نسمع فيها سوى أنفسنا، وما كان عز وجل قال في كتابه الكريم "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (قرآن كريم- سورة الحجرات: الآية 13).

فدعنا نتفق على أهمية الحاجة إلى البشر.. ودعنا نركز على هذا الاحتياج جدًّا حين تقرر أقدارنا أن تتحول فجأة.. ونقاط التحول تلك كثيرة ولا نهاية لها على مدار دورة الحياة بأكملها، ولعل ذلك أكبر مبرر لوجود تلك العلاقة الصافية ذات طابع الاستمرارية والمحبة غير المشروطة التي تسمى بـ"الصداقة".

أعلم أن الكثير من القرّاء حين وقعت عيناه على تلك الكلمات التي وصفت بها الصداقة دارت في باله جملة من نوع "مش دايماً الصداقة كدا" فدعني أصدمك قليلاً وأقول لك، إنْ لم تكن علاقات صداقتك كذلك حقاً فهذا لا يعني أن الصداقة ليست كذلك، بل يعني أنك أطلقت على علاقاتك لقب "الصداقة" وهي لا تندرج تحت هذا اللقب من الأساس.. إنما حديثي هنا عن الصداقة بمفهومها الذي يجب أن يكون.. مفهومها غير القابل للتغيير والاضطرابات.. صداقة تعني صداقة!

في حياتي وفي حياة كل من يقرأ، كثيراً ما تعرضنا لمواقف ظننا أنها هي الأسوأ على الإطلاق، أو لحظات أخرى نعتقد أنها الأجمل حتى الآن، فما كان من مهون أو مشارك للفرحة سوى صديق وفيّ تكتمل فيه سمات الصداقة الخالصة.. صديق أضاف عبيراً خاصًّا للحظات السعادة، وقاسمنا الهم والحزن والدموع في كل لحظة تعيسة.. صديق قرر أن يُضحي مرات ومرات، لا لأجل شيء سوى محبته الصادقة ورغبته في استمرارية تلك العلاقة، وثقته التامة بأنه يضحي من أجل شخص ما يستحق التضحية، وإلا فما مبرر الصداقة من الأساس؟!

كثيراً ما ضللت طريقي واعتقدت أنني في المسار الصحيح، ورغم أنني كنت أركض ركضاً في الاتجاه المعاكس، ولم يقف في طريقي ويعيدني إلى صوابي سوى صديقة تهتم بأمري وتتابع خطواتي، كثيراً ما شعرت بالغربة أو بالاحتياج إلى الكثير من الحديث أو حتى الصمت، لكن بوجود شخص يصلح لسماع حديثي وتقبل واستيعاب صمتي، فما كان هناك شخص مناسب أكثر من تلك الصديقة التي قاسمتني كل التفاصيل التي أمر بها ولا تهتم بكونها تفاصيل تدعو للسعادة أو للاكتئاب، فقد وافقت منذ البداية على توقيع عقد الصداقة الذي ينص على تجاهل نوعية التفاصيل؛ لأن كلها واجبة المشاركة وبصدق وحب نقّي..

في كل إنجاز صغير حققته في حياتي إلى الآن كانت هي صاحبة هذا الصوت الذي يهمس لي بأنني صنعت شيئاً عظيماً يستحق الفخر.. كانت فرحتها دائماً تضاهي فرحتي إن لم تغلبها.. كانت في كل مرة أقرر فيها الاستسلام والانسحاب من أي معارك أو محاولات للوصول تصدني عن تلك الفكرة، حتى وإن كان بشيء من العنف.. تحاول احتواء ضعفي وقلة حيلتي ويأسي في الكثير من الأحيان وتدفعني بكل ما لديها من قوة وأمل ورغبة في رجوعي عن قراراتي الخاطئة.. كانت وما زالت هي القلب الذي لا تشوبه شائبة تجاهي والسند القوي -حتى وإن كان بداخله ضعيفاً- في كل حفرة تصادفني في طريقي..

حاجتنا إلى الصداقة تفوق حاجتنا إلى العلاقات العاطفية وتفوق حاجتنا إلى أي علاقة من نوع آخر.. لأن الصداقة عطاء وإخلاص ووفاء لا ينتهي ولا ينقص.. الصداقة تضم بين جناحيها كل أنواع العلاقات التي نحتاجها في حياتنا.. فيا أيها الأصدقاء، افهموا معنى صداقتكم جيداً ولا تتنازلوا عنه أبداً.. تأكدوا من كونكم قادرين على خوض علاقة الصداقة، وإن لم تكونوا قادرين فتعلموا لتصبحوا قادرين فيما بعد.. الحياة ينقصها الكثير جداً بلا صديق.. وليس فقط في وقت الضيق كما يزعمون، فالصداقة خُلقت لكل الأوقات..

ويا صديقتي.. لن أشكرك على أي مما قمتي به معي لأن لا مجال للشكر بيننا، ولكنني أضمن لكِ وجودي التام في كل مواقف وظروف الحياة حُلوة كانت أومُرّة، دون طلب ودون نداء.. فالصداقة خالية من الطلب والنداء.. وأذكِّرك أن دوام صداقتنا كان بنداً من بنود عقد الصداقة.. ونحن لن نخالف العقود.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.