المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

يا أيها الغائبون

تم النشر: تم التحديث:

المثل يقول "البعيد عن العين.. بعيد عن القلب" وكثيراً ما سمعت تأييدات واعتراضات على هذه الحكمة القديمة.. ذلك أن البعض يرى أن ميلاد المحبة ونموها في القلوب شيء أنقى وأطهر من أن يُلوَّث بالمسافات أو البُعد.. وأنك إذا شعرت أن البعيد عن العين بعيد عن القلب، فذلك البعيد لم يكن قريباً من الأساس.. ولم تكن محبة حقيقية.. بل مجرد مشاعر ضعيفة لا تقوى على الثبات حين تعوقها المسافات.. وجهة نظر! بينما يرى البعض الآخر أن البُعد والمسافات تصيب القلوب بالجفاء وشيء من القسوة غير المقصودة، بل وأن تلك القسوة ليست مرغوبا بها من الأساس، لكن "ما باليد حيلة" وأعتبر نفسي من مؤيدي هذا الرأي..

عزيزي القارئ، هذا المقال كُتب خصيصاً لأجلك إذا كنت تهتم بدوام الشغف بينك وبين من هم أقرب الأشخاص إليك.. هذا المقال كُتب لكل أب وأم ولكل من تربطهم صلات قوية كالزواج والصداقة والحُب.. أكتُب إليكم أنتم بالذات فأعيروني انتباهكم..
الكثير من أبناء الوطن العربي يغادرون أوطانهم مُخلفين وراءهم أسراً وأصدقاء والكثير من الذكريات لأجل كسب المال والبحث عن التقدير الذي يغيب في عددٍ ليس بقليل من بلادنا.. يسافرون لأشهر وسنوات عدة، يزورون أوطانهم وذويهم في الإجازات الرسمية وهناك من لا يستطع حتى زيارة الوطن في مثل تلك الإجازات.. يعانون الغُربة والمشقة وافتقاد الأهل والسند، لكنهم في الوقت ذاته يسببون فجوة كبيرة في نفوس من تركوهم، يفتقدون الكثير من الذكريات والأحداث التي كان واجباً عليهم خوضها معاً..

تتحول تفاصيل حياتهم المشتركة إلى مكالمات هاتفية فتضيع المشاعر ويتوه الشغف وينطفئ نور الذكريات وسط كل هذة الضبابية في العلاقة.. أو ما يمكن تسميته بـ"ما تبقى من العلاقة".. فترى أباً -في الغالب- لا يرى أطفاله يكبرون أمام عينيه.. لا يتمكن من حل مشكلاتهم والتدخل الفوري لإسعافهم إذا لزم الأمر.. تغيب عنه ضحكاتهم ولحظات انكسارهم، يغيب عنه نجاحاتهم وآمالهم وتغيرات شخصياتهم وتفاصيلهم الدقيقة جداً، التي لم يكن جزءاً منها.. للأسف!

تمر الأيام والسنون، إلى أن يسري الاعتياد في الوريد.. يُصبح أمر الغياب مألوفاً عادياً لا مشكلة به.. تبدأ تفاصيلنا تبدو لنا جيدة بدون من غابوا عنّا ولا حاجة كبيرة إلى وجودهم فيها، تعود الحياة للاكتمال بدونهم بعد الشعور بالنقص لفترات قد تطول أو تقصر بناء على عواطف المُتألمين من غياب أحبائهم.. فالبُعد يقتل الشغف، ويُقلص حجم الاحتياج جداً.. لأنك مُرغم على التأقلم شئت أم أبيت.. البُعد يصيب العلاقات بالفتور ولا أدري إن كان هذا الفتور قابلًا للعلاج فيما بعد أم لا.. البُعد لفترات طويلة يجعلنا في بعض الأحيان نبحث عن البديل، نبحث عن الراحة في العلاقات بأشخاصٍ آخرين، لكن العلاقات الإنسانية لا يعوض أحدها الآخر.. فهي مجرد محاولات وغالباً ما تنتهي بالفشل.. البُعد يُمكن أن يصيبنا بشيء من انعدام الثقة بالكثير من الأمور وربما يؤدي ذلك إلى إحساس دائم بالخوف خاصة حين يكون المُبتعد فرداً من أفراد العائلة الأساسيين كالأم والأب..

ويأتي السؤال هنا، هل نُعاتب الغائبين؟ أم نلُم الأوطان التي تُشَتِّتُ أبناءها إلى هذا الحد، أم نغضب على القدر الذي يشاء لنا الفُراق لسنوات عدة تحدث فيها تغييرات لا تحصى؟ أم نحاول التحكم في قلوبنا وعواطفنا كي تظل بنفس الاحتياج والارتباط بالغائبين؟! كلها أسئلة يصعب الإجابة عليها منطقياً..
أيُها الغائبون عنّا، يؤلمنا غيابكم، إنه لا يجعلنا ننسانكم ولا يُحول محبتنا العميقة إلى كراهية مطلقة.. إن الأمر كله في الاعتياد، وهكذا خُلق الإنسان.. يعتاد على أمرٍ ما فيصعب عليه تقبل غيره أو الاعتياد على نقيضة بسرعة.. فرفقاً بأرواحنا التي كانت قد اعتادت على قُربكم ثم اُجبرت على تحمل غيابكم.. لا نتوجه إليكم باللوم، لكننا لا نستطيع مواصلة حياتنا تحت رحمة الانتظار.. والمشاعر -بكل أسف- تنطفئ بالبُعد..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.