المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

ذنب لم يُرتكب (قصة قصيرة)

تم النشر: تم التحديث:

فتح سيارته بعدما سقطت منه المفاتيح للمرة الثانية وألقى بنفسه على الكرسي محاولاً استيعاب ما يجري حوله، ألقى المفاتيح على الكرسي الذي بجانبه بعنفٍ مقصود ثم أسند رأسه إلى الوراء وأغمض عينيه حتى أصابه دوارٌ خفيف وشعر بأنفاسه تختنق.

فتح الزر الأول من قميصه وأخذ يمر بكفيه على وجهه ذهاباً وإياباً محاولاً إحياء حواسه التي ماتت منذ قليل، "هي ليست بصدفة إنما هي رسالة" كان يردد تلك العبارة في ذهنه حتى سيطرت عليه تماماً وهدأت أنفاسه بعض الشيء واستسلم لتفكير عميق..

حين دخلتْ عليه العيادة كانت كبقية المرضى الذين اعتاد على رؤيتهم، وجهها شاحب حزين، تغتصب ابتسامة تأبي الخضوع لوجهها، عيناها محاطتان بهالة سوداء كثيفة تكشف عن بكائها وسهرها الليالي الماضية، لم يعر انتباهاً حقيقياً لمظهرها لأنه ليس بمظهر مختلف، سلمت عليه بيد مرتجفة مترددة ثم جلست صامتة.
بينما كان هو متوقعاً لما سوف يسمعه من قصص وأحاديث، إما أنها تعرضت لحادث ما يؤثر عليها إلى الآن، أو أن حبيبها تركها قبل الزفاف ببضعة أيام، أو فقدت أحد والديها ولم تستطع الخروج من لحظة الجنازة إلى الآن، لقد اعتاد على سماع مثل تلك القصص وحفظ جيدا العلاج المناسب لكل منهم، بدأ هو كطبيب نفسي يمارس مهنته حتى يجعلها تتكلم وتخلع عن نفسها ثوب الخوف والتردد، وكان أول ما نطقت به "لقد حُرمت من الإنجاب".. ساد صمت ثقيل بينهما.

هي محاطة باكتئابها الذي أتت به وهو لا يدري إن كان ما سمعه منها حقيقياً أم أنه سمع شيئاً آخر، رفع عينيه ببطء وضعف عن أوراقه التي كانت تحوى بيانتها، نظر لها راجياً أن تقول له إن ما سمعه ليس بصحيح، لكنها كررتها مرة أخرى بنفس النبرة والصوت "لقد حُرمت من الإنجاب".. نظر لها طويلاً بلا أي كلمة فهو لا يدري ماذا يجب عليه أن يقول، إنه لم يدرس فى الطب النفسي كيفية الاعتذار عن علاج حالة كحالته، كيف له أن يعالجها من اكتئاب أصابها بسبب عدم الإنجاب وهو يعتقد أنه مصاب بنفس الشيء بل أسوأ.

شعر في تلك اللحظة أنه هو الذي يحتاج منها العلاج والدواء وليس هي، وقفزت أمام عينيه صورته يوم عَلِم بأنه رُزق بطفل معاق! رأى جزعه وغضبه واعتراضه، رأى عصبيته ويأسه وكراهيته لكل ما حوله، رأى كل انفعالاته الأولى التي ما لبثت أن تحولت إلى حزن عميق دفين وابتعاد عن كل الحياة، رأى عدم عنايته بطفله وعدم رغبته فيه، وتذكر معاملته لزوجته التي أخذت نصيباً لا يُستهان به من الإهمال وعدم التقدير.. تذكر حين كان يناجي الله ويقول له "لو أنك حرمتني من الإنجاب لكان أهون عليِّ من قضاء حياتي في تربية طفل معاق".

خلع نظارته الطبية وقام من على كرسيه واقترب من مقعدها قليلاً، نظر في عينيها بقوة وثبات لا يخلوانِ من الرجاء والانتظار وسألها، أكنتِ تفضلين إنجاب طفل معاق على عدم الإنجاب؟! كان ينتظر منها إجابة تخمد ثورة ضميره وتؤكد له أنه محق في كل غضبه وحزنه وعدم عنايته بطفله، فما ذنبه هو وماذا فعل بحياته كي يُبتلى بطفل معاق؟ ظل ينظر لها راجياً ألا تخذله إجابتها وكأنما مجلسهما انقلب إلى النقيض وأنه هو المريض ينتظر منها اجابة تشفيه.

ارتسمت ابتسامة مكبلة بالوجع على وجهها وسألته كيف له أن يقارن هذا بذاك، كيف له -وهو الطبيب- أن يسألها سؤالاً تافهاً كهذا، وهي التي لا ترجو من الدنيا سوى طفلٍ حتى وإن كان معاقاً، هي التي تتمنى أن تشعر بحركته في أحشائها وأن تنتظره لمدة تسعة أشهر حتى ولو علمت أنه معاق، فسيزيدها هذا حباً له.

لأنها ستعلم أن حاجته إليها ستكون أكبر وأكبر، ستحدثه كل يوم وهو فى بطنها إلى أن تأتي لحظة ولادته، ستضمه بين ذراعيها وتعده أنها لن تهمله أبداً منذ تلك اللحظة، سترعاه وتحميه وتعلمه، ستجعله لا يشعر بالنقص أبداً لأنها جواره، يكفيها أنها تراه وتسمعه، تتحدث إليه وترعاه وتضمه إليها، لن تظلمه يوماً بذنب لم يرتكبه! أن يكون لديها طفل معاق يحبها ويحتاج إليها أهون عليها بكثير من حرمانها الأمومة إلى الأبد!

كان يرتجف ومشاعره مضطربة، أشعل كلامها ثورة ضميره أكثر فأكثر، كان يريد أن يُسكتها، أن يضع يده على فمها ليجعلها تصمت وفي الوقت نفسه يريدها أن تعذب ضميره أكثر لتحييه بعد ممات طويل، إنه لم يرض يوماً عن نفسه منذ وُلد هذا الطفل لكنه اعتاد خلق الأعذار والمبررات لجزعه وإهماله، حتى تمكن من وضع نفسه تحت مسمى الضحية وطفله البريء هو الجاني! شعر بحاجة ماسة إلى الوحدة فطلب منها زيارته بعد مرور ثلاثة أيام وما إن تركت العيادة حتى قام بفتح كل النوافذ والأبواب كأنه يختنق، ورغم ذلك لم يُرِحه البقاء في العيادة فنزل إلى سيارته..

كان قد استغرق في هذا الوضع ما لا يقل عن ساعتين، اضطراب وندم وشعور بائس بقلة الحيلة، أخذ يهرب من دموعه التي أبت التوقف وأشعل سيجارته لينجو بنفسه من دوامات التفكير، أدار محرك سيارته، واتجه إلى منزله.. لم يجلب معه هدية لطفله ولا زهور لزوجته، معه فقط اقتناع تام أنه "لن يظلمهما بذنب لم يرتكباه" وهذا سيكفي..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.