المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

صديق الموتى

تم النشر: تم التحديث:

في المشرحة، وقف أمام وجهها لا يدري ماذا يفعل، تجمَّد الدم في عروقه، وجفت الدموع في عينيه، وصار واقفاً كالصخرة لا يهزها ريح، حتى إن ملامح وجهه لم تتبدل مطلقاً، وعلى الرغم من ذلك كان بداخله بركان ليس بقادر على الانفجار.

لم يتوقع يوماً أنه سيحمل ابنته الشابة بين يديه في المشرحة التي قضى فيها قرابة ثلاثين عاماً حتى كادت تكون علاقته بالأموات أقرب من علاقته بالأحياء.

صارت هناك لغة تفاهم بينه وبينهم، لا يخشاهم ولا يقشعر جسده لرؤيتهم ولا حتى يخشى الموت، فهو بالنسبة إليه ضرورة ملحة كالأكل والشرب، فلمَ يخشاها الإنسان إلى هذا الحد؟

لم يكن ذلك حاله بالطبع في أول يوم تم تعيينه عاملاً في المشرحة، فقد كان شاباً يحاول البحث عن أي وظيفة تؤمن له قوت يومه، وقذفه القدر بين أحضان الموت كي يذوب فيه كل يوم وكل ساعة ويصبحا شيئاً واحداً لا يخشى أحدهما الآخر.

كان أول يوم له في هذا المكان مذعوراً مفزوعاً حد الإغماء، لم يكن أبداً هذا الشخص الجامد القلب والعواطف كي يتحمل مشهد الموتى كل ساعة يدخلون ويخرجون، لم تكن أذناه قادرتين حتى على سماع صرخات الأهالي وبكاء كل من يمر بهذا المكان، لحظات الوداع قاسية فما بالك بالوداع الأبدي، كيف لإنسان أن يتحمله؟!

في أسبوعه الأول في المشرحة كان يقرر كل يوم أنه سيترك العمل، لكنه حين يقارب على اتخاذ هذا القرار وتنفيذه فعلياً يجد أن بقاءه في هذا المكان ضرورة لا مفر منها، فلم تكن أمامه بدائل أخرى وقد قضى ما قضى على كرسي القهوة منتظراً ماذا سيجلب له القدر، ويا ليته لم يجلب.

لكنه يعود فيقول إن كرسي القهوة كان أرحم وألطف بحاله فتلك المشرحة تقتله تدريجياً كل ساعة، ولو كان الأمر بيده لترك كل هذه الجثث وفر هارباً لكن يظل السؤال مَن أين سيدبر المال؟ فيعود منكساً رأسه مستسلماً لرغبات الأموات في أن يظل محافظاً على أجسادهم البالية إلى حين إشعار آخر.

كان يشفق في البداية على هؤلاء الذين يرافقون هذا الميت أو ذاك، يحاول أن يحتضنهم بكلماته وأحياناً ما يجد نفسه يذرف الدموع معهم كأنه واحد منهم، وأحياناً أخرى يشفق على حال الميت نفسه إذا لم يرافقه أحد وقد كتب عليه أن يغادر الدنيا وحيداً كما عاش فيها وحيداً في أغلب الأحيان.

في تلك الفترة كان كارهاً للموت، كارهاً رائحة الموتى وألوانهم الباهتة وأجسادهم الفاترة الباردة، يكره حتى تلك الملاءات البيضاء التي تغطي أجسادهم كأنها تعدهم إعداداً بطيئاً لتقبل أكفانهم.

كانت تكمن بداخله رغبة في أن يقوم بهزهم بعنف كي يعيد إليهم أرواحهم مرة أخرى ويمكنهم من الرحيل من هذا المكان البشع، لكنه لا يستطيع، فكان يكتفي بتغطية وجوههم بتلك الملاءة البيضاء ويعود إلى مقعده الثابت كثبوت أعينهم.

مر عام وراء عام، وصار يقضي معظم وقته بين هؤلاء الأموات، يقضي يومه كله في المشرحة مستقبلاً ومودعاً إياهم حتى صار يشعر بالانتماء إليهم أكثر من الانتماء بعالم الأحياء.

كان كثيراً ما يقضي ليله بينهم متحدثاً عن همومه ومشاكله التي لا حد لها، وصارت له هواية أن يمر بينهم يتفقدهم واحداً تلو الآخر محاولاً تخمين قصص حياتهم مما تبدو عليه مظاهرهم.

اعتاد سكونهم وألوانهم الباهتة وملاءاتهم التي كان يكرهها من قبل، اعتاد تواجدهم في حياته واعتبره أمراً طبيعياً ويسري حقاً على الجميع فيوماً ما سيرقد بينهم ويشعر بما يشعرون، حتى أهاليهم لم يعد يشعر نحوهم بالألم أو الشفقة بل إنه كان يقابلهم بفتور وحدة راغباً في أن يسكتهم بالقوة كي لا يفسدوا سكون أصدقائه الأموات.

لم تنزل دموعه منذ زمن بل أصبح يشعر بالنشوة كلما أقبل عليه ضيف جديد بقصة جديدة تكمن وراء مجيئه، لم يلحظ تغيره أبداً، ولم يظن أن مشاعره قد ذبلت كما ذبل جسد أصدقائه لكنه بدأ يدرك أن مشاعره قد أصابها الفتور في تلك اللحظة بالذات.

فاليوم هو لا يستقبل صديقاً جديداً، بل هو في استقبال ابنته الشابة التي لم يتجاوز عمرها العشرين عاماً واختارها القدر دوناً عن الجميع في حادث مؤسف أسفر عن موتها بل واندثار ملامحها حتى لم يعد التعرف عليها أمراً سهلاً مما أودى بها إليه، في مشرحته.

راقدة في الفراش كنجمة سقطت من السماء فانطفأ بريقها فجأة وقد كانت تضيء حياته كلها، ها هي الآن بين يديه لا يدري ماذا يفعل بها أو يقول لها، لا يدري أين فرت منه مشاعره فلم يعد قادراً حتى على البكاء، يشعر بشيء لا يمكن أن يقال عنه الفزع أو الحزن فهو أصبح غريباً عن مثل تلك المشاعر، لكن ثمة غصة في حلقه تشعره أنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة في غضون ثوانٍ قليلة.

لا يدري إن كانت روحه تتحطم الآن حزناً على فراقها أم حزناً على مشاعره التي لم تعد تجد طريقاً إليه. فأحياناً ما يعجز الناس عن ردود الفعل رغم قسوة الأحداث، وهذا بالضبط ما كان عليه.

تسارعت أنفاسه وعاد قلبه للنبض من جديد حتى كاد يقفز من بين ضلوعه، شعر بالدوار والاختناق وكأن جدران المشرحة تطبق على أنفاسه.. اقترب منها ولمس وجهها بيد بدأت تسري فيها الرعشة تدريجياً وكأنه بدأ يصحو مرة أخرى، اقترب أكثر من وجهها وقبَّل جبينها ثم لمست دمعته الوحيدة التي نجحت في الفرار من زنزانة روحه بشرتها.

جلب كرسيه الساكن وجلس جوارها، وقضى ليلته يحكي لها عن كل سنواته في هذا المكان الذي سلبه قدرته على الحزن حتى على ابنته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.