المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شروق عبد النعيم Headshot

هي الجنة (قصة قصيرة)

تم النشر: تم التحديث:

وسط إعجاب الحاضرين وتصفيقهم وابتساماتهم التي ينم بعضها عن فرحة خالصة، والبعض الآخر عن مجاملات لا بدَّ منها، كانت تقف ها هنا شاعرة بأنها قد ملكت الدنيا بما فيها، وكأن هالة من الرضا والفخر وأقصى سعادة ممكنة صارت تحيط بها وتحميها من كل الشرور والأوجاع التي يمكن أن تصيب ابن آدم.

هكذا يشعر البشر حين تتحقق أقصى أمنياتهم، حينما يرضى عنهم القدر ويجنبهم غضبه بضع لحظات، حين تسمح لنا الدنيا أن نلمس السماء قبل أن نعود ثانية إلى الأرض، وهي لحظات قليلة جداً وربما هناك مَن لا يدركها طوال فترة حياته من الأساس، لكنها هنا الآن، وقد تحقق لها كل ما تمنت، فلم تعد تشعر بشيء سوى الراحة بعد مشوار دام طويلاً واستهلك طاقتها وجهدها كثيراً.

والحقيقة أن أمنيتها تلك لم تكن بأصعب أمنية في الحياة، بل إن تحقيقها كان أسهل من أمنيات كثيرة فشلت في تحقيقها، لكن الأمنيات لا تُصنف حسب صعوبتها وسهولتها، الأمنيات تُصنف حسب قيمتها الشعورية لدى أصحابها، وهي كانت تشعر أن حياتها كلها متوقفة على تحقيق تلك الأمنية، متوقفة على نشر كتاب يحمل اسمها عريضاً على غلافه، يفيض بكلماتها التي اختارت كلاً منها بعناية بين طيات صفحاته، واليوم تحقق لها ما تمنت، وصار لها كتاب بين أيدي القرّاء وتتداوله المكتبات ودور النشر.. اليوم صارت مستحقة للقب "الكاتبة".

لكن في هذا الحفل الذي أقامته لها دار النشر، لم تكن ترى سوى وجه هذا الملاك الذي لولاه لم تكن لتصل لتلك اللحظة أبداً، فعلى الرغم من أننا لسنا بقادرين على اختيار أمهاتنا فإنها كانت ستختار تلك المرأة القوية لتكون أمها لو كان بيدها الاختيار.

نظرت إليها وكأنما تقول لها: "تحقق لي ما تمنيت يا أمي، هل تشعرين بالفخر مثلما أشعر؟"، ولغة النظرات لا تقل قيمة وبلاغة عن لغة الكلمات فكانت ترد على نظراتها بردود أبلغ من أن يقوم إنسان بترجمتها إلى لغة الكلام الجامد الذي لا يحمل هذا الكم من المشاعر أبداً.

لم تنسَ أبداً كيف بدأ الأمر، فبعد أن قضت سنوات طفولتها في بلد أوروبية، شاء القدر أن تعود تلك الأسرة إلى أم الدنيا مرة أخرى.. وهنا بدأ الأمر برمته، فعادت طفلة لا تفقه سوى بضع كلمات بالعربية ولا تحظى بأي معرفة عن جوانب وخبايا هذا المجتمع الذي ستكون أحد أفراده.

صارت تتعجب من أصغر التفاصيل وتشعر بالغربة في كل يوم، وكيف لطفلة اعتادت على الحياة لمدة ست سنوات في بلد أوروبي أن تستنشق نسيم الشرق منذ الوهلة الأولى، والحقيقة أنه لم يكن نسيماً بالنسبة إليها إطلاقاً بل كان غباراً يخنق رئتيها وحياتها كلها.

لم تكن قادرة على التواصل مع زملائها في المدرسة أو حتى أقاربها؛ بل إنها تشعر أنها لا تنتمي إليهم، لا تفهم لغتهم ولا طباعهم، حتى نكاتهم لم تكن تضحك عليها؛ لأنها عاجزة عن فهمها، كانت فترة صعبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالتأقلم على هذا المناخ الجديد كان يتطلب الكثير من الجهد والوقت.

لكن كما يقولون "ما يفسده العالم، تصلحه ماما"، فكأنما أتت إليها أُمها بحل عبقري قام بتحويل حياتها 180 درجة منذ تلك اللحظة، أعطتها كراسة وطلبت منها أن تكتب فيها الأفكار التي تدور بخاطرها بينما هي في الفصل بين زملائها.. تكتب عما يزعجها وعن كلماتهم التي لا تستوعب أغلبها، تكتب عما يسعدها أحياناً وما يضايقها كثيراً.. المهم أن تكتب وتكتب وتكتب.

وهنا كانت البداية، فمنذ أن أمسكت بالقلم في عامها السادس لم تتركه أبداً، صار رفيقها الأوفى لم تعد قادرة على الاستغناء عن الكتابة مهما تقدم بها العمر، صارت الكتابة شغفاً وحياة بالنسبة إليها إلى أن أصبحت أمنيتها الأقرب إلى قلبها هي أن تقوم بنشر كتاب مطبوع، ولمَ لهذا الأمر أن يتأتى لها بين ليلة وضحاها، لكن في كل خطوة أخذتها نحو تحقيق أمنيتها كان هذا الملاك القوي وراءها، يدعمها ويقرأ ما تكتب ويقدم لها النقد كي تصبح كاتبة أفضل.

كان هذا الملاك يخبرها كل يوم أنها فتاة عظيمة، ويعبر لها عن فخره بها، لم تكن أماً بل كانت ملاكاً نزل من السماء فقط لجعل حياتها أفضل؛ ليشيع فيها الحب غير المشروط والحماية والرفقة الطيبة.

والآن وفي تلك اللحظة، كيف يمكنها أن ترد لهذا الملاك معروفه وكل ما قام به لأجلها، كيف يمكنها حتى التعبير عن امتنانها لوجوده في حياتها؟! فكثيراً ما نعجز عن التعبير في أشد المواقف التي تتطلب ذلك، لكنها في تلك اللحظة ودون وعي كافٍ منها ركضت نحوها وقبّلت يديها وغاصت بين أحضانها تخبرها أنها رفيقة دربها قبل أن تكون أمها، تخبرها أنها العلة الأولى وراء كل شيء، وأنها الحب في أصدق صوره، والرحمة في أبهى معانيها.. هي الأم، هي الجنة، هي الحلم الذي أخيراً تحقق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.