المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيرين عرفة Headshot

سمك.. لبن.. جمبري.. دماء

تم النشر: تم التحديث:

تنقل التليفزيونات جميعها، رسمية كانت أو خاصة، ذلك الحدث الجلل، يقف من يصفونه بالرئيس، أمام بركة ماء صناعية، بداخلها عدد من الصيادين، ومع أهازيج وأغانٍ شعبية، يلقون بشباكهم البدائية، ويتوسلون إلى الحضور: "من يحب النبي يصلي عليه".

وعلى بُعد خطوات، يأتي أحد العساكر بصندوق بلاستيكي، يجمع فيه بعضاً من الأسماك الموجودة بالشبكة، ويلقي بها تحت أقدام الرئيس، تقترب الكاميرا من وجه الأخير؛ ليظهر مشدوهاً متعجباً، يقلب بيديه واحدة من تلك الأسماك، وعلى وجهه ضحكة خرقاء، وعلامات الرضا والارتياح لهذا الإنجاز غير المسبوق.

ما تم ذكره الآن ليس مشهداً ساخراً من فيلم كوميدي، بل حقيقة سوداء نقلتها شاشات الفضائيات، واحتفل بها الإعلام المصري على مدار أيام.

يتساءل المصريون: ما الإنجاز في زراعة أسماك، بركة ماء، نلقي فيها ببيوض السمك فتفقس سمكاً، ثم نستخرجه بشباك مصنوعة من خيوط، تم رصدها كأداة للصيد منذ العصر الحجري القديم، ووجدت مرسومة على حوائط الفراعنة منذ 4000 عام قبل الميلاد؟

أين هو الإنجاز؟!

هل يكمن الإنجاز مثلاً في أن دولة تعد من أكبر 50 دولة بالعالم امتلاكاً للسواحل البحرية، تلجأ للاستزراع بتلك الطرق البدائية، وتستورد ذريعة أسماك وأعلاف، وتصنع لهم برك مياه، وهي لديها 11 بحيرة طبيعية، بخلاف 2500 كيلومتر من السواحل على بحرين هما الأحمر والمتوسط، وأكثر من 1500 كيلومتر من مياه النيل؟!

فتأتي الإجابة سريعة ومفحمة ولم يشهد لها العالم من قبل مثيلاً، حين وقف أحدهم بلباسه العسكري، ليقدم نفسه كـ"رائد مقاتل قائد خط الجمبري"، ويلحق به زميله رائد مقاتل قائد خط السمك البلطي، وآخر مقدم مقاتل في مصنع الثلوج.

وبكلمات جادة ووجوه واجمة وقفوا يشرحون لرئيسهم أعمالهم الحيوية وتخصصاتهم الدقيقة في الجمبري منزوع الرأس، وتعبئة السمك الفيليه، في عبوات الكيلو والنصف كيلو.

وبينما استلقى المشاهد العربي على ظهره من كوميديا الموقف، امتزجت ضحكات المصريين بالألم من عبثية المشهد ومأساويته.

يتفهم المصريون اقتحام الجيش لكافة الأنشطة الاقتصادية في مصر، من كبيرها لصغيرها، عظيمها وحقيرها، بدءاً من محطات الوقود وشركات البناء والمقاولات، إلى صناعة أواني الطبخ والمكرونة والسمن والصلصة، مروراً باستيراد الأدوية والمعدات الطبية ولبن الأطفال، انتهاء بإنشاء صالات الأفراح و"الكوافيرات" لنمص حواجب النساء.

فليس زراعة الجيش للسمك والجمبري بأسوأ من خبزه للكحك والبسكويت، منها "سبوبة"، ومنها سيطرة تامة على سُبل حياة المصريين، إذا فكر في الثورة يوماً هذا الشعب المسكين، ومن لم يمت برصاص الجيش، سيموت حتماً من العطش والجوع.

يفهم المصريون ذلك جيداً، لكن لم يفهموا مطلقاً ما العلاقة بين كلمة "مقاتل"، وبين "السمك والجمبري"!

لكن يبدو أن الإنجاز الحقيقي الذي احتفى به الإعلام هو قدرة السيسي العجيبة على تشويه وتدمير سمعة الجيش المصري وتمريغ شرفه العسكري في الطين، والتي حتماً لو سخرت إسرائيل كل إمكاناتها المادية والعلمية والعسكرية لما بلغت فيه معشار ما قام به السيسي.

يكتمل المشهد المأساوي بلقطة مكررة ومعادة، ملَّ المصريون من رؤيتها منذ 4 سنوات، حيث الدماء والأشلاء، ورائحة الموت تزكم الأنوف.
في المجزرة الأكثر بشاعة ودموية في سيناء، قرابة الـ250 قتيلاً و110 جرحى، حين ترجَّل ظهراً وفي وضح النهار، مجموعة من المسلحين، من عربة دفع رباعي، ووجهوا رشاشاتهم وبنادقهم الآلية إلى رؤوس المصلين أثناء أدائهم صلاة الجمعة، في مسجد كبير بقرية الروضة والتي تقع بين عاصمة شمال سيناء مدينة "العريش"، ومدينة "بئر العبد"، وبعد ما يقرب من نصف ساعة كاملة، عاثوا فيها في المسجد فساداً، وقاموا بالتصفية الجسدية لكل من بداخله، بل وساعة أخرى بعدها استهدفوا فيها عربات الإسعاف وسيارات الأهالي التي حاولت نقل الجرحى، هرب جميع الجناة، وعلى بُعد أمتار منهم، يقع معسكر للجيش، لم تخرج منه رصاصة واحدة.

وتساءل الأهالي في سيناء: كيف يحدث مثل هذا؟!

وقد تحولت المنطقة بكاملها لثكنة عسكرية مغلقة، يعيش سكانها تحت رحمة قانون طوارئ يتم تمديده أوتوماتيكياً، ومئات من الأكمنة والتفتيش المستمر، وعشرات الآلاف من الجنود والضباط؟!

هل الهدف من نشر الدم والرعب في سيناء هو إفراغها من أهلها؟! فمن بدأ مسلسل التهجير فيها؟!
ومن المتواطئ؟ ومن المستفيد؟!

وكعادتها، صدرت تصريحات العسكريين والإعلام، مؤكدة أن ما حدث هو دليل على إنجازات النظام، وتعبيراً عن عجز وقلة حيلة من الإرهابيين، وهو ما قاله نصاً الفريق "أسامة عسكر" في حديث صحفي عقب الحادث بساعات، وخرج في أعقابها السيسي ليُهدد باستعمال القوة الغاشمة، ومعروف أن كلمة "غاشمة" تعني في قواميس اللغة العربية: الظالمة والباطشة، وكأنه يعترف على نفسه بأن نظامه لا يعرف سوى الظلم والبطش.

ثم يعلنها مدوية: سنثأر للقتلى، وفي ذات اللحظة، تخرج طائرات الجيش المصري مساء الجمعة لتزعم قيامها بعملية عسكرية للقضاء على الإرهابيين في محيط مسجد الروضة بمدينة العريش؛ بل وتعلن تصفيتها 30 إرهابياً وقصف عشرات من السيارات.
(هذا على أساس أن الإرهابيين بشهامتهم ونبلهم، قدروا ظروف انشغال الجيش في خطوط السمك والجمبري، وانتظروهم في موقع الحادث الأليم 5 ساعات كاملة، حتى أتت طائرات الجيش وقصفتهم جميعاً).

لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله، ورحمة الله على الشهداء.

انتحر المنطق على أرض مصر، وفي قافلة القتلى الطويلة، والنزيف المستمر منذ 4 سنوات، كان من الطبيعي أن يكون هو أول الشهداء.

فكيف للعقل أن يحيا في بلد يحكمه "سيسي"، وسياسته خليط من سمك ولبن وجمبري ودماء؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.