المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شرين عرفة Headshot

رسالة من السيسي إلى الغرب وإسرائيل.. في مشهدَين

تم النشر: تم التحديث:

المشهد الأول: نهار خارجي

"السيسي" يجلس في ساحة الكلية الجوية، وعن يمينه ويساره وُضعت طاولتان، يمسك بنظارته المعظمة يتابع بها حفل تخرج دفعة جديدة من الطلاب، وغير بعيد عنه يجلس رئيس وزرائه ووزير الدفاع.

يبدو السيسي وكأنه لا يثق بأحد مطلقاً، فإما أن يتترس بحرسه الخاص أثناء وقوفه بين قادة الجيش أو يفرغ الكراسي بجانبيه، أو يخطب في قوات الشرطة من خلف زجاج مضاد للرصاص.

ينقل لنا التلفزيون الرسمي احتفال القوات الجوية المصرية بتدريبات لا علاقة لها بمهمتها الأصلية في كل البلاد، وهي حماية الحدود، والاشتباك مع الأعداء.

يعلن مقدم الحفل أن التدريبات عبارة عن تحرير قرية من قبضة الإرهابيين.

قد يبدو مفهوماً أن تقوم بهذه التدريبات قوات الشرطة أو القوات الخاصة، لكن القوات الجوية؟! أقوى أسلحة الجيش؟!

كيف سيستخدم الطيران في محاربة الإرهاب، سنقصفهم جواً؟!

سندمر المدن والقرى على رؤوس أهلها؟!

الرسالة الأولى من المشهد هي: لم يعد الجيش المصري مهمته محاربة العدو القديم الرابض على حدودنا "إسرائيل"، بل محاربة العدو الجديد داخل أراضينا وهو ما يسمى "الإرهاب".

تقوم القوات بعملية إنزال من الجو أمام مجسم لقرية مصرية، تبدو القرية وكأنها مسجد كبير تناثر بجانبه بضعة بيوت، إذا ضممنا مجسمات المنازل جميعها لن يكافئوا مساحة المسجد.

السؤال هو: لماذا يأتي مجسم المسجد بهذا الحجم، وكأن القرية هي مسجد كبير سيطر عليه مجموعة من الإرهابيين؟!

ولماذا يتم التدريب من الأساس على اقتحام مكان عبادة مقدس؟! ولماذا لا يتم وضع مجسم لمدرسة أو مصنع على سبيل المثال؟!

ثم لماذا مسجد المسلمين تحديداً؟ لِمَ لا تكون كنيسة مثلاً؟!

الرسالة الثانية مضمونها: الإرهاب يخرج من تحت عباءة الدين الإسلامي حصراً ويتخندق داخل المساجد وأماكن عبادة المسلمين، هو التمهيد إذن لمزيد من انتهاكات لم نرَها سوى في زمن الانقلاب كاقتحام مساجد أو حصارها، بل وهدمها وحرقها في بعض الأحيان.

يصر السيسي على تصدير خطاب للعالم، لم ينطق به أعتى مجرمي الغرب أو محاربي الإسلام، ولا حتى قائد الحرب الصليبية في العصر الحديث، كما وصف نفسه "جورج بوش".

السيسي أعلنها صراحة من قبل في احتفال الأمة بمولد نبيها صلى الله عليه وسلم، بأن النصوص التي يقدسها المسلمون منذ مئات السنين هي سبب التطرف والقتل والتدمير، (والمسلمون لا يقدسون بطبيعة الحال سوى القرآن والسنة)، وتأكيداً على كونه يقصد الدين الإسلامي نفسه وصلب تعاليمه ونصوصه، وليس المذاهب الفقهية أو تأويلات المفسرين.

قال السيسي نصاً: "يعني الواحد ونصف مليار مسلم عايزين يقتلوا السبعة مليار علشان يعيشوا همّا".

اتهام واضح وصريح لمسلمي العالم أجمع، اتهام لمليار ونصف المليار إنسان بالإرهاب، مقولة لن يجرؤ أشد المجرمين هوساً وجنوناً وكراهية للدين على التفوه بها.

المشهد الثاني: ومن على صفحات جريدة الوقائع المصرية الرسمية:

الهيئة العربية للتصنيع تعلن عن تغيير شعارها الذي تتصدره آية قرآنية تقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ويتضمن رسماً لصاروخ وترس وذرة، بشعار جديد يقتصر على الحروف الأولى للهيئة باللغة الإنجليزيةAOI .

وللتذكرة.. الهيئة العربية للتصنيع هي إحدى ركائز الصناعة العسكرية في مصر، وأنشئت عام 1975 بتعاون بين مصر وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات، بهدف بناء والإشراف على تطوير قاعدة تصنيع دفاع عسكري مشتركة، وفي عام 1993، قامت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بإعطاء مصر أسهمها في الهيئة والتي بلغت قيمتها آنذاك 1.8 مليار دولار، فأصبحت الهيئة مملوكة بالكامل للحكومة المصرية، ويعمل بها نحو 19000 موظف، منهم 1250 مهندساً، وتمتلك الهيئة 12 مصنعاً وتسهم في اثنين من المشاريع المشتركة، إلى جانب المعهد العربي للتكنولوجيا المتقدمة، وتقوم بتصنيع السلع المدنية بجانب بعض المنتجات العسكرية.

لا يمكن تصور أن التغيير هو مجرد "نيو لوك" مثلاً لشعار بدأ مع إنشاء الهيئة، منعاً للملل؟!

التغيير يحمل رسالة واضحة بالتبرؤ من أي مرجعية إسلامية، بحذف الآية القرآنية، وهو ما يتناسب مع التغيير الذي استحدثه السيسي في عقيدة الجيش.

وحذف رمز الصاروخ هو رسالة تطمين ربما لعدو مصر التاريخي "إسرائيل" بأن الهيئة لم تعد من أهدافها تصنيع الأسلحة، وهو ما يتناسب مع سياسة السلام الدافئ والملتهب الذي يسعى له السيسي مع اليهود.

وبحذف رمز الذرة، يبدو وكأننا لم نعد بحاجة للبحث العلمي الذي كان يتمثل في المعهد العربي للتكنولوجيا المتقدمة الذي يتبع الهيئة، فأي علم تحتاجه الدولة التي تقبع في مؤخرة دول العالم في جودة التعليم؟!

وبالإبقاء على رمز الترس وحده، تأتي الرسالة واضحة وصريحة، بالاتجاه للصناعات المدنية والاستهلاكية فقط.

وربما نصحو الأيام القادمة على قرار الجيش بالاكتفاء بمصانع المكرونة والسمن والصلصة والكحك والبسكويت وحلل الطبخ والملاعق والشوك وما اتجه له أخيراً من تجميع سيارات الجيب شيروكي عقب التعاون مع شركة "كرايسلر" الأميركية لخدمة طبقة الأثرياء في مصر والذين يتقدمهم بالطبع قادة عسكريون يستحوذون من خلال أنشطة الجيش - المعفاة من الضرائب والبعيدة عن الرقابة والمحاسبة - على أكثر من 60% من الاقتصاد المصري.

المشهدان يحملان أبلغ رسالة من السيسي للغرب وإسرائيل: ساندوني وامنحوني شرعية البقاء.. أكن لكم رجلكم الأمين في مصر والشرق الأوسط، وأنفذ لكم كل ما تستحون فعله في حربكم ضد الإسلام والمسلمين.

ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.