المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء الحديدي Headshot

معلش.. ارحموا الـ"معلش"

تم النشر: تم التحديث:

عندما ذهبت أُعزي صديقة تُوفي ابنها، وجدتني أقول بتلقائية: "معلش ربنا يصبرك.. معلش والله متزعليش"، مع أني حضّرت كلماتٍ كثيرة لهذا الموقف، وأخذت أرتبها طوال ساعاتٍ قبل موعد العزاء، إلا أني نسيتها جميعاً، ولم أجد غير "معلش" أعبر بها عن حزني لمصابها.

حينها، أدركت أن كلمة "معلش" هي أفضل كلماتي لأعبر بها عن مشاعر التعاطف والأسف والحزن للغير، ربما لأني لا أملك غيرها في مثل هذه المواقف، وربما لأني غير ماهرة في إسداء النصائح التي لا ينتظرونها مني في مثل هذه الأوقات بكل تأكيد.

أو ربما لعدم براعتي في "استخلاص العبر والدروس" من موقف حكته لي ابنة خالتي عن زوج عمتها الذي سمع زميله في العمل عن جارٍ له مرَّ بموقف مشابه مثلاً وتصرف معه بهذه الحكمة العصماء.

إذ إنهم بالتأكيد سمعوا ويسمعون الكثير من هذه العبر، فلا آتي أنا وأزيد ما لا يفيد، خصوصاً أن البعض لا ينتظر أصلاً أن يسمع تلك النصائح؛ لأنه يعرفها كلها، وجرّبها على الأغلب.

بالنسبة لي، أعتبر "معلش" كلمة مكانتها أقل من الأسف الذي يكون لا داعي له في بعض الأوقات، كأن أوقع قلم زميلي من على المكتب مثلاً، وتعلي من شأن حديث جافٍ متعالٍ على الاعتراف بالزلل وإن بسط.

إذ أجدني أردد تلك الكلمة بتلقائية عند طلبٍ سخيفٍ أقدم عليه من أحدهم، فأراها بمثابة تأدُّب وحياء في هذا الوضع، أو عندما أتعثّر فيه مثلاً فأقدمها كأسفٍ لطيف، أو حتى عندما أعتذر عن عدم رغبتي في فعل ما لا أريد، وقد تحمل هنا نبرة منفعلة قليلاً.

أو أقولها مواساةً لأزمة ومشكلة يمر بها صديق.. ويزداد ضغطي على حرف الشين مع زيادة تأثُّري وحزني بمشكلته، أو أضيف إليها بعض الكلمات الأخرى مثل: "معلش والله"، كأني أستحلفه وأترجاه ألا يحزن ويتألم، وأستجديه بأن يكون أفضل من هذا الحال، لأني لا أملك ما يجعله هكذا، فيما أكزّ على أسناني وكأني أقول: ليتني أملك ما هو أفضل لأساعد به!

تلك الكلمة التي أرددها كثيراً، هي ما أنتظرها في مواقف مشابهة للسابق سردها وأكثر، وهذا يعني أني أحب أن أُسمع الآخرين ما أحب أن أَسمع، وأقدم لهم ما أُحب أن أُعطى.

أتذكر جيداً ذلك اليوم في شهر رمضان بعد انقضاء إحدى العزائم، حينما بدأت في حفظ الطعام الفائض في الفريزر حتى لا يفسد إن طالت مدة بقائه في الثلاجة، وإذ بـ"كيس الملوخية" ينقطع من باب الثلاجة ويُسكب كله على الأطعمة داخل الفريزر والثلاجة وعلى بابها وأرضية المطبخ والسجادة!

كنت وقتها كالمجنونة حرفياً، فبعد ساعاتٍ طويلة في الإعداد للعزيمة طوال اليوم، والساعات الأخرى في تقديم الطعام وجمعه وحفظه، وها أنا ذا تفصلني دقائق قليلة عن الاستلقاء على السرير راحةً من هذا الإرهاق، ثم تنسكب الملوخية بقِطعها الصغيرة التي تلتصق بأي شيء ويزيد صعوبة تنظيفها، وكأن ذلك ينقصني الآن! نصف ساعةٍ إضافية في التنظيف.

أي سيدة تعلم شعوري في هذه اللحظة! ببساطة، كنت فقط أنفخ وأستغفر وأكلّم نفسي، متسائلة: لماذا؟! ولماذا الآن؟! وبالطبع، كانت عفاريت الدنيا كلها تقف أمام وجهي في هذه اللحظة، لم أطق أي شيء وقتها فعلاً.

من بعيد، يسألني زوجي لماذا أكلم نفسي بهذه العصيبة، وكعادة أي امرأة قلت له: "مفيش"، وبعدما أحس بأن الأمر ليس طبيعياً بالمرة، جاء يتفقّدني وبعدما رأى المشهد، لم يتحدث بغير "معلش" وربت على كتفي، وقتها هدأت، وكأن شيطاني أُحرق تواً، وهربت عفاريت الدنيا من أمامي.

هدأت فعلاً، ورغم أنه عرض عليّ المساعدة، وسألني عما يُمكنه فعله للتنظيف، فإنني شكرته من قلبي؛ لأنني حقاً لم أكن في حاجة إلا لتلك الكلمة ولمسة اليد المتعاطفة المطبطبة.

ربما رفضت مساعدته للوسواس القهري المتعلق برغبتي في إتمام كل شيء بنفسي، أو هوسي بالنظافة، لكني فعلاً لم أشعر بأني أحتاج شيئاً آخر بعد ما قاله وفعله، هذا فقط ما كنت أحتاجه لأهدأ وأرضى بقدر الله في تلك اللحظة.

ما دفعني لكتابة هذه التدوينة غير المهمة كثيراً، هو كثرة السخرية من تلك الكلمة، وكأنها مرض لا بد من أن يُعالج صاحبه، أو ذنب علينا إخفاؤه، رغم أنها لا تنمّ إلا عن طيب وصدق النية، والتضامن والرغبة في المساعدة ولو بكلمة، واللطف والمواساة.

أعرف جيداً أن هذه الكلمة لها إحساسها الخاص الذي تنطق به في كل مرة، فيُمكن أن أنطقها ساخرة، أو غاضبة، أو متفهةً من شأن شيء ما، ويُمكن أن أقولها متعاطفةً، أو قلة حيلة وعجزاً مني. لكن على كلٍ هذا لا يعطي حقاً لأحد لإزداء كلمةٍ برئية لا يملك سواها بعض الناس.

فلماذا يُعاقب من لا يريد سوى مواساة غيره بالسخرية من كلمة توصل شعوره الصادق؟ ومع كثرتها يُجبر على ألا ينطق حروف تلك الكلمة مرةً أخرى خشية الاستهزاء، فيما لا يجد من يقولها له عند حاجته لمثلها؛ لأن الآخرين أيضاً خائفون من رد فعلٍ ساخر.

تخيل أنه بعدما يستمع تجربة مؤثرة عاشها صديقٌ له، ويقول له: "معلش" عجزاً حتى، مع قليلٍ من كلمات المواساة، يجد صديقه يكتب ساخراً على فيسبوك: "مش محتاج معلش"، "ناقصني 10 معلش ومشاكلي تتحل"، "بعرف أمعلش نفسي كويس".

وكأن صاحب المشكلة كان ينتظر سماع حل عبقري لم يفكر فيه! أو كان سيستمع حقاً لهذا الحل لو قيل، أو وكأن الشخص الآخر صاحب "المعلشة" أُوحي إليه بحل وأخفاه عن صديقه مثلاً!

قليلٌ من الرحمة بنا وبعقولنا وقلوبنا، قليلٌ من الرحمة بتلك الكلمات اللطيفة القليلة المتبقية في قواميسنا، وقليلٌ من الرحمة بأنفسكم، فأنتم -بلا شك- تدركون أن أصدقاءكم أصحاب "المعلشة" ليسوا علاء الدين في مصباحه، ولا يملكون عصا "كوزمو ووندا" السحرية مثلاً!

لطفاً.. رجاءً.. وفضلاً.. يكفي ما تفعلونه بتلك الكلمة البريئة غير المذنبة، والكلمات كلها.. فتعطون تلك التي لا معنى لها معنىً وقيمة، والتي لها معنى تفرغونها منه!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.