المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شريف زكريا Headshot

تغريبة مصرية

تم النشر: تم التحديث:

باختصار، نحن في تغريبة؛ تغريبةٍ من غُربةٍ، أو غَربٍ، أو استغراب، لا يهم، فذاك لن يمثل فارقاً، والنتيجة أجسادٌ نَسكنها بلا روح، وحدودٌ نسكنها ويُسمّونها أوطاناً، وعجزٌ قد تَملّكنا، بعد أن بات في مفارقة تلك الأجساد موتاً، وفي الرحيل خارج حدودها خيانة.

مَن نحن؟ يقولون إننا المصريون، وإن مِصرنا كَانت سلّةَ غذاء رُوما يوماً من الأيام، وإننا أول مَن عرف التوحيد، وإننا فَجرُ الضمير، وإننا ناصِرو الرسل والرسالات، وإننا مقبرة الغزاة، فهل علينا أن نُصدقَهم؟

أهيَ حقيقةٌ أم هي أبواقٌ إعلامية كالتي نُعايشها الآن قَد ارتفعت أصواتها فكتبت التاريخ؟ تاريخ ميت، ما عاد في أفعالنا ولا أقوالنا ولا جيناتنا بعض مِن بقاياه لنُحييه، فمِصرنا التي نعرفها هي من كبار متسوِّلي الغِذاء الآن، هي مَن يبحث مثقفوها عن حريّة الإلحاد الآن، هي مفرخة الظلم والفَساد الآن، هذا ما يجب أن نعرفَه، هذا ما يجب أن نصدقه، وكفانا تصديق ما قَالوه عنّا قَديماً لإقناعنا أن المجد ميراثٌ سنرثه عن أجدادنا، فمنعنا العمل لتحقيقه أو حتى للمحافَظة عليه.

مَا الذِي جعل المِصريين يُبايعون "محمد علي" والياً عليهِم؟! ما الذي جعل أعيان مصر (نخبتها) وشيوخها بقيادة "عمر مكرم" يقودون ثورةً شعبيةً في الثاني من مايو/أيار عام 1805 لخلع "خورشيد باشا" ليُعيّنوا بدلاً منه "محمد علي" والياً عليهم بعد أن أخذوا عليه شرطاً "بأن يسير بالعدل، ويُقيم الأحكام والشرائع، ويُقلع عن المظالم، وألا يفعل أمراً إلا بِمشُورة العُلماء، وأنّه متى خَالف الشروط عزلوه"؟

لماذا لَم يحكم "عمر مكرم" هو ومَن معه البلاد وسلموها لجندي ألباني لا يقرأ ولا يكتب، بل وعُرف عنه الدهاء والمكر؟ لماذا ظنّوا أنّه سَيُقيم العدل والحق بدلاً عنهُم؟

لماذا لم يخلَعُوه على شرطهم بعد أن انتشر فساده وظُلمه، وقَبل أن يغدر بـ"عُمر مكرم" نفسه وينفِيه بعد مرور أقَل من أربع سنواتٍ عَلى تنصِيبه والياً بفضلِه؟ لماذا يرى المصريون أنّ القوة والبطش والدَهاء هي القَادرةُ على حُكمِهم حتى وإن ظلمَت، ولا يَرون في الحق والعلم قوةً تحكمُ بالعَدل دون أن تبطشَ بهم؟ لماذا يكون الظالمُ هو مُلهمهم ومُتصدر تاريخهم، والعادلُ هو فقط من أضغاثِ أحلامهم؟ أو في سجونهم؟ لماذا؟

يقولُ الجبرتي عن "محمد علي": "فلو وَفّقهُ الله لِشىءٍ مِن العَدالةِ عَلى مَا فِيه مِن العَزمِ والرِيَاسةِ والشَهامَةِ والتَدبيرِ والمُطاولِة لَكَان أُعجُوبةَ زَمانِه وفَريدَ أوانِه"، قَد فَعل "محمد علي" كل شىءِ في مصر، كما يُخبرنا التاريخ، بنى جيشها الحديث، أرسَل البعثات العلمية، وبنى المصانع، وطوّر الزِراعةَ والتجارة، وهو الذي جعل منّا دَولَةً ذاتَ ثقل تلحق وتسبق في ركب الحضارة، لَكنَه في الحقيقَة لَم يُقم أَهم شيء فينا، لَم يُقم العدل!

أعلَمُ أنّك قَد ترى في ذَلك شيئاً هيناً لا قيمة لَه مقارنةً بما أنَجزتهُ دولتُه وحكمُه، كَما يرى البعضُ الآن في قَتل الناس مُبرراً للاستقرار، ولَكن نَظرةً سريعةً لحالِ ما وصلنَا إليه -ونَحنُ مُستقبل ما بناهُ محمد علي- سنعلَمُ أنّ مَصير أي بناءٍ بلا عدل، هو الاندِثار لا أكثَر.

هل غرّبنا "محمد علي"؟ هل أتى لنا بأسماك أوروبا لنأكُلها ولم يُعلمنا قَط صَيد أسماكنا؟ هل جعلنا قطعةً من أوروبا، فصرنا غُرباء في بلادِنا منذ ذاك الحين؟ هل عزلنَا عن ماضينا وما حولَنا لننسى ما قَبلَه ولنبدَأ تأريخَ حياتنا من عهدِه؟ هل هو من بنى دولَتنا أم نحن من بنينا دولته؟ هل أثّر فينا أم نَحن من أثّرنَا فيه؟ هل جعلَنا نُلقي أسلحَتنا، ليحكُمنا بِقوة جيشِه -ذي الأجر- الذي ادعى أنّه لحمايتنا؟ هي أسئلَةٌ عنهُ وعن كلّ حكامنا من بعدِه، وللتاريخِ فقط أن يُجيب عنها.

والمُحصلة: بلد الأزهر يُهاجمُ فِيه الإسلام إفراطاً وتفريطاً، مهد العروبة يَغضبُ مُواطنوها إن نَصّ دستورهم على تعريب التعليم، أرض الكنانة فرغت كنانتها من السهام.

فأي شيء بقي لتبقَى مِصرنا فِينا؟ كان يستلزم أي تغريبةٍ هجرة إلى وَطنٍ آخر، لَكن فِي حَالتِنا، فأَوطَاننا هِي مَن هَجَرتنا لتُبقِينَا سُجَناء حُدودِها، أو تَائِهينَ خَارِجَها نَبحثُ عَنها في أَرضِ اللهِ الوَاسِعَة.

نحن من أضعنا أوطاننا، بعد أن قَايضناها في قَلوبنا بقطعٍ من أَرضها، فيا لَيتها بقيت مُحتلة، ولَيتنا بقينا نُقاتل من أجلِها، ونموتُ شُهداء غُزاتها، ليتنا ما استعدناها، لنتصارعَ على حُكمها، ولنتنافس على كسب نُفوذها، ولِيُصبح عَسكرها خطراً علينا، بَعد أن كان ويلاً على أعدائِنا.

يا ليتنا نجد يوماً ما يجمعنا بمصرنا الغائبة.. يا ليتنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.