المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شريف حسين Headshot

عبد الرحمن الأبنودي ..على قلبكم!

تم النشر: تم التحديث:

في الثواني القليلة التي تلي بدء رنين الهاتف حتى لحظة الإجابة عليه، عادة ما يعمل الدماغ على محاولة توقع اسم المتصل في ضوء مشغولياتك والأشياء التي تنتظرها والمكالمات التي من المفترض أنها سوف ترد إليك بخصوص موضوعات محددة في ذلك التوقيت، إلا أنه حين رن هاتفي في ظهر أحد أيام ربيع 2013 لم أتوقع أن أجد على الشاشة اسم المتصل: "عبدالرحمن الأبنودي".

كان قد مر ثلاثة أيام فقط على إرسالي مسودة مبدأية لديواني الأول إلى منزله بمدينة الإسماعيلية التي كان يقيم بها منذ سنوات نظراً لحالته الصحية، وحين قال إنه أنهى للتو قراءة الديوان لم أحمل همَّ أية تعليقات سلبية، كان يكفيني فقط أن ما كتبت جعل الأبنودي متحمساً ومهتمًّا بأن يرفع سماعة هاتفه كي يناقشني فيما قرأ. الغريب أن المكالمة التي أحفظ تفاصيلها جيّدا لم تحمل أية تعليقات سلبية، امتدح القصائد كثيراً وتعجب من سن كاتبها، لم أكن وقتها قد أكملت عامي السابع عشر، وكان هذا مدوناً على مسودة الديوان كتعريف بالكاتب.

(2)

بماذا تشعر حين يمتدحك عبدالرحمن الأبنودي؟ وعلى الأخص حين يمتدح أحد أكثر الأشياء أهمية بالنسبة لك، وهي كتابتك للشعر؟ كان لتلك الواقعة ضجيجاً كبيراً أشغلني عن رؤية كافة مكونات المشهد.. أحد أهم شعراء العامية في تاريخ مصر، وربما صاحب المشروع الشعري الأبرز والأكثر اختلافاً وتفرداً، يبلغ من العمر 75 عاماً، يعاني من حالة صحية غير مستقرة، يتردد منذ سنوات على مستشفيات باريس من أجل تلقي العلاج، ويقيم بالإسماعيلية حفاظاً على صحة رئتيه التي أفسدهما التدخين، يهتم بقراءة مجموعة أوراق أرسلها إليه شاب يبلغ من العمر 17 عاماً يدّعي أنه شاعر ويصف تلك الأوراق بالقصائد، فيبادر بالاتصال بذلك الشاب كي يتوقع له مستقبلاً مشرقاً، إنها مجموعة التفاصيل التي جعلت من الراحل إنساناً فريداً إلى جانب ذلك الشاعر العظيم.

(3)

اعتدت الاتصال به من وقتٍ إلى آخر، في بعض الأحيان بصفتي صحفيًّا يتصل بمصدر وفي أحيان أخرى بوصفي محبًّا أرغب في الاطمئنان على صحته أو التهئنة بحصوله على جائزة، في المرة الأخيرة انتشرت شائعة وفاته على المواقع الإلكترونية بكثافة، أتصل به فيأتي صوته على الجانب الآخر مجهداً: "أنا ما متش وقاعد على قلبكم"، أضحك وأدعو له بالصحة والشفاء العاجل، لكنه يرحل بعد تلك المكالمة بـ27 يوماً فقط.

(4)

يظهر عبدالرحمن الأبنودي في الإعلام كثيراً، يحل ضيفاً على الفضائيات في حوارات مطوّلة يسرد فيها قصصاً من حياته ويلقي قصائد جديدة وقديمة ويحلل الأوضاع، يرد على اتصالات الصحفيين باستمرار، ويكتب عما يحدث في مصر وينشر قصائده ومربعاته الشعرية في الصحف حتى آخر أيامه، لكنّ هذا الظهور الكثيف لم يجعل الأبنودي كتاباً مفتوحاً لمحبيه، لأنه حين صدرت سيرته الذاتية التي كتبها الكاتب الصحفي محمد توفيق، فاجأنا الخال بحكايات شديدة الثراء لم تُروَ من قبل، عن علاقته بأنور السادات وأم كلثوم وعن رحلة المجد والجري وراء شيطان الشعر من أبنود للقاهرة برفقة أمل دنقل.

(5)

في مارس 2015، أي قبل شهر واحد من وفاته، بينما يرقد في مستشفى الجلاء العسكري بعدما أصيب بجلطة دموية أعقبت إصابته بميكروب في الرئتين، يقول للصديق بلال رمضان في كلمات نقلها عنه لموقع صحيفة اليوم السابع المصرية، "روحي شيء والمرض شيء آخر"، يستقبل زواره ببشاشة قبل أن يفاجئ الجميع بالاحتفال بعيد زواجه من الإعلامية نهال كمال وهو في المستشفى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.