المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شريف حسين Headshot

برواز لصورة زفاف

تم النشر: تم التحديث:

(1)

كان الأديب الصيني جوان موييه (المعروف باسم مو يان)، طفلا يعشق الحكايات، منذ ذلك اليوم الذي هبط فيه أحد القصاصين على سوق قريته الصغيرة بشمال شرق الصين يوم عاد الطفل إلى أمه حاملا العشرات من الحكايات..
كان جوان يمتلك ذاكرة قوية بحيث سمحت له أن يروي القصص تماما كما سمعها، لكن الفتى المولع بالحكي لم يستمر على هذا الحال كثيرا، قرر أنه سوف يستخدم خياله لإضافة تفاصيل مختلفة وصياغة نهايات جديدة يعرف أنها ستنال إعجاب الأم.

الطفل الثرثار يجلب المشاكل لأسرته، كما أن الشائع في الصين أن الثرثرة وكثرة الحديث أمران غير مرغوب فيهما، وكنوع من السخرية من الذات وإيمانا منه بخطورة الكلام في بلد مثل الصين، أطلق جوان موييه على نفسه اسم "مو يان" والذي يعني "لا تتحدث" أو "لا تتكلم"، لكن "مو يان" الذي يعرف خطورة الأمر جيدا، كان أضعف كثيرا من أن يعطي ظهره لغواية الكتابة، لم يتمكن من مقاومة حبه لرواية القصص مهما كانت المتغيرات والعوائق، ظل منكبا على الكتابة، وظلت الكتابة تسحبه من يديه ببطء حتى قادته للحصول على جائزة نوبل في الآداب عام 2012، حين وقف ليمارس هوايته المفضلة في الحكي، ولكن هذه المرة تحت أضواء قاعة تسلم الجائزة الأهم في العالم، بعاصمة السويد "ستوكهولم".

(2)

في كلمته التي ألقاها أثناء تسلمه جائزة نوبل عام 2012، والتي نُشرت مترجمة بموقع "تكوين"، قال مو يان: "أحسن طريقة للكاتب ليتكلم هي الكتابة، ستجدون كل شيء أحتاج أن أقوله في أعمالي". هي تلك المتعة الاستثنائية في التعبير عن الذات بطريقة فريدة تتنقل بين أزمنة وأمكنة وبشر وعوالم يختلط فيها الحقيقي بالخيالي.

(3)

بقصد أو بشكل عفوي، دائما ما يرغب الإنسان في التعبير عن نفسه، أن يعبر عن مجموعة الأفكار والمشاعر والهواجس والمخاوف والرغبات والأحلام التي تتفاعل بداخله في لحظة ما بطرق مختلفة، وحين يقرر شخصٌ ما أن يعبر عنها بالكتابة فهو يختار الاشتباك مع تلك الأفكار والمخاوف أمام الجميع، يستدعي من حوله لكي يشاركوه تلك المخاوف، يحظى بميزة شديدة الأهمية وهي شعوره بأنه ليس وحيدا، وأن هناك أشخاصا آخرين مهما بدوا قليلي العدد يشاركونه رؤيته أو يعجبون بالطريقة التي يرى بها العالم، أو على الأقل يظهرون إلى جواره في كادر واحد أثناء المواجهة. لكنه في الوقت نفسه يشعر بحمل كبير ملقى على عاتقه، أن تعتاد التعبير عن أي شيء وكل شيء بالكتابة، وكلما حاولت الهروب من شيء ما جذبتك الكتابة للاشتباك معه.

لكن أثناء الكتابة يتبخر كل هذا، يبقى شعور وحيد راسخ في النفس، شعور فريد بالمتعة يجعلك متطلعا لإنهاء ما تكتب حتى تتهيأ لاستقبال القصيدة أو القصة أو الموضوع الصحفي أو المقال التالي.

(4)

كانت كل تلك الأفكار تختلط برأسي، بينما أحاول التغلب على إرهاق يوم طويل بجعل خطواتي أسرع كي أصل في الموعد المحدد إلى أحد مقاهي وسط القاهرة لاحتساء الشاي مع صديقي الناشر يوسف ناصف، للاتفاق على تفاصيل إصدار مجموعتي القصصية الأولى "برواز لصورة زفاف".
نحو ثلاثة أشهر ظللنا نناقش تفاصيل كثيرة تتعلق بالغلاف واسم المجموعة وموعد الصدور، ثلاثة أشهر لم نتوقف فيها عن إجراء تعديلات كان يوسف كعادته يتلقاها بصدر رحب. ثلاثة أشهر كنت أتناقش فيها بشكل يومي مع أدهم حسام وشروق مجدي حول أشياء ربما لن أنساها طوال حياتي رغم ضعف ذاكرتي، لأن ما يربطني بها، حبي للكتابة.

في الحقيقة لم أشعر كيف مر الوقت بهذه السرعة منذ ذلك اللقاء حتى استلمت النسخ الأولى من المجموعة، كنت مستغرقا بالكامل في التفاصيل لدرجة ألهتني عن الشعور بالوقت، تلك هي غواية الكتابة التي كنت أسمع عنها قبل أن أحظى بفرصة الانقياد خلفها في استسلام تام، وهي نفسها التي قادت "مو يان" من راعي بقر في قرية صينية فقيرة تثير ثرثرة الأطفال قلقها، إلى أن أصبح أول صيني يفوز بجائزة نوبل في الآداب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.