المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شريف حسين Headshot

بدلاً من الحفظ والتلقين

تم النشر: تم التحديث:

(1)
لأسباب تتعلق بدراستي للصحافة، ظللت نحو شهرين أقرأ صحفاً مختلفة تنتمي لثلاثينيات القرن الماضي، أحظى بجولة تاريخية تتماس مع تفاصيل الحياة ولا تقتصر على تأريخ لأحداث سياسية وأسبابها ونتائجها، وتقترب أكثر من المجتمع وترصد شكل تفاعله مع الأحداث والقضايا التي تشغل المواطنين والسلطة في نفس الوقت. وفي عدد صحيفة الأخبار الصادر في 5 ديسمبر 1935، أعثر بالصدفة على خبر يتحدث عن تعليمات جديدة بشأن المناهج الدراسية، تتضمن التعليمات ألا يعطي المنهج المطور للطالب ما هو في غنى عنه، بهدف عدم إرهاق التلاميذ بما ليس له فائدة، وأن يكون المنهج الحديث "مقصوراً على ما يحتاج إليه التلميذ في معترك حياته المستقبلية".

(2)
في شهر أكتوبر 2014، ظهر الدكتور محمود أبوالنصر، وزير التربية والتعليم في مصر وقتها في حوار على قناة "التحرير" المصرية، قائلاً إن المناهج بها 30% حشوا وتكرارا وتعتمد على الحفظ والتلقين، وأنه تم وضع خطة لتعديل تلك المناهج حتى تعتمد على التفكير والبحث.
وقبل شهرين فقط من تلك التصريحات، كان الوزير نفسه يكرّم 48 طالباً من الموهوبين الفائزين في ملتقى الابتكارات العلمية على مستوى الجمهورية، بمدينة 6 أكتوبر، حيث قال على هامش الاحتفالية إنه سيتم تغيير المناهج خلال الثلاث سنوات المقبلة لتعتمد على التفكير والبحث والإبداع بدلاً من الحفظ والتلقين.

وفي فبراير من العام نفسه، تقول الدكتورة نوال شلبي رئيس مركز المناهج والوثائق التعليمية، في تصريحات لصحيفة "اليوم السابع" إن وزارة التربية والتعليم تعمل على تأليف كتب جديدة ومناهج تراعي المعايير العالمية وترفع مستوى التعليم المصري، وتتخلص من الحشو الزائد وأساليب الحفظ والتلقين.

(3)
يقول الدكتور فاروق إسماعيل، الرئيس الأسبق لجامعة القاهرة، والرئيس الحالي لجامعة الأهرام الكندية، في ملف نشرته الأهرام عن الثورة التي يحتاجها التعليم في مصر، يقول إن مرحلة التعليم الأساسي التي تبلغ مدتها 9 سنوات بدءاً من المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الإعدادية، يحتاج التلميذ فيها إلى التركيز على تنمية المهارات، بعيداً عن الحفظ والتلقين الذي تقوم عليه المناهج الدراسية، ويؤكد إسماعيل أنه في حال فقد التلميذ هذه القدرة، وعجز النظام التعليمي عن تنمية مهاراته، واكتشاف مواهبه، وإذا لم يتحصل على المهارات اللازمة فلن يستطيع تعويضها بأي حال من الأحوال، كما يجب إكساب التلميذ ملكات التركيز، والاستيعاب، والتحليل.

(4)
أقابل طالبات في عامهن الجامعي الأول بكلية الصيدلة جامعة القاهرة، تشتكي إحداهن من إغراق الدراسة في الأشياء النظرية فقط، وتشتكي أخرى من غياب الأنشطة العملية التي تتعلق بمجال الدراسة، تؤكد أنه لا يمكن لطالب الصيدلة الاعتماد على مناهج الكلية فقط، دون أن يحظى بخبرة التطبيق والممارسة الفعلية، عن طريق التدريب في الصيدليات والاحتكاك ببيئة العمل في المستشفيات ومصانع الأدوية، وهو ما لا توفره الكلية منذ البداية، وفقاً للطالبة.

(5)
في 1935 أدركنا أزمة المناهج الدراسية الممتلئة بحشو ليس له أهمية، وتلك المعتمدة على الحفظ والتلقين والتي تهمل النواحي العملية التي يعتمد عليها الدارسون في حياتهم فيما بعد، واستلزم الأمر 80 عاماً كاملة حتى نبدأ في اتخاذ خطوات عملية في 2015.
يبقى السؤال الأكثر طرقاً للأذهان، ما الذي يمكن أن يؤخر علاج مشكلة ما كل هذه السنوات؟ وإذا دأبت الوزارة على تحديث المناهج باستمرار خلال السنوات العشر الماضية وتحديداً من بعد ثورة 25 يناير، لماذا تظهر نفس الأزمة بعد كل تعديل؟ ولماذا بعد كل هذه التعديلات يجد المسؤولون أنفسهم في حاجة إلى الاعتراف بها من جديد في 2015 والإفصاح عن الخطط المقررة للقضاء عليها؟.
يصبح الآن لدينا معادلة رياضية ذات مجهول واحد، إذا بدأنا في خطوات حقيقية لحل أزمة المناهج الدراسية في 2015، فمتى يمكن أن نرى الإصدار النهائي لتلك المناهج على النمط الذي نريده؟؟..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.