المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شريف حسين Headshot

في مديح الغربة

تم النشر: تم التحديث:

(1)

الثابت أن تجارب الغربة مريرة، مصحوبة بكم هائل من الأسى والشجن والحرمان من الأنس، افتقاد الأماكن والأشخاص، والابتعاد عن كل ما هو ذاتي وحميمي، الحاجة إلى إعادة تعريف الحياة، والإرهاق النفسي الناتج عن ممارسة الطقوس المصاحبة للميلاد الجديد في أرض جديدة تجعلك طفلا في حاجة لتعلم حروف الهجاء، الشعور بالغرابة والسلوك كنغمة نشاز في مكان لا تشعر بأي ألفة تجاهه ولا انتماء حتى وإن ظللت في تلك الغربة عشرين عاما، وأيا كان سبب الاغتراب، سواء لظروف العمل التي يحسدك عليها الآخرون، أو بسبب اللجوء هربا من جحيم مشتعل في وطنك، إنها الصورة الأكثر ثباتا واستقرارا في المتن الثقافي العام.

بخلاف التهجير القسري أو اللجوء هربا من الحرب، فإن الدافع وراء الغربة، دائما ما يتعلق بالبحث عن حياة أفضل، لكن النتيجة التي يصل إليها الجميع هي حياة أفضل على المستوى المادي وربما الاجتماعي، مقابل آلام نفسية كبيرة يسببها البعد عن الوطن.

يحتوي التاريخ العربي وروافده الثقافية المختلفة، على ما يرسخ لتلك الصورة النافرة من الغربة، بدءاً من وصف كآبة الاغتراب عن القبيلة والرحيل عن الديار والبكاء على أطلالها في الشعر الجاهلي، إلى التعلق بالوطن في التراث العربي كقول الجاحظ: "كان العرب إذا غزوا أو سافروا حملوا معهم شيئا من تربة بلدهم، رملا وعفرا يستنشقونه عند نزلة أو زكام أو صداع"، وحتى أغاني حمزة نمرة التي تتناول مآسي الغربة ومهانتها.

يبدو كل ما سبق طبيعيا ومعترفا به وراسخا في الأذهان، لكن ما لا يمكن تجاهله أو إنكاره، أنه صار هناك اتجاه جديد يرحب بالرحيل عن الأوطان كوسيلة أخيرة للنجاة، هذا الاتجاه الذي يزاحم الاتجاه القديم ليصبح على وشك إبعاده عن المتن العام، يتعامل مع الهجرة باعتبارها فرصة لحياة جديدة أفضل حالا من الأولى.

(2)

الشاعر العراقي الكبير، سعدي يوسف، والذي غادر العراق في سبعينيات القرن الماضي، قال في مقابلة مع راديو "بي بي سي"، إن المنفى بالنسبة له كان "نعمة ورحمة"، يقول أيضا في قصيدة بعنوان "ابن عائلة ليبي مقيم في أوربا"

قالوا لي: كيف تقيمُ هنا؟
تترك بيتكَ عند طرابلس، وحقولَ الزيتونِ، ومقبرةَ الأجدادِ،
وتسكنُ في حيٍّ من أحياءِ الفقراءِ بروما؟
قالوا لي أيضاً: إني الأكبرُ سِناً في العائلةِ..
أعرفُ هذا،
أعرفُ أني أسكنُ في عاصمة القيصرِ
أن جنود الحاميةِ الرومانيةِ في أرباضِ طرابلس
يَجْــبونَ ضرائبَ فادحةً،
ويحبّونَ الغلمانَ الليبيينَ
ويغتصبون نساءً أحياناً ...
أعرفُ هذا؛
لكنْ... إنْ كانت ليبيا مستعمَرةً للرومانِ
فهل أفضلُ لي أن أسكنَ في مستعمرةٍ؟
أن أسكنَ داخلَ ما سَمّاه الرومانُ بلادَ برابرةٍ؟
أنا في حيٍّ من أحياءِ الفقراءِ بروما... حقّـاً
لكنّ العسسَ الليليّ هنا لا يزجرني
لا يسألني
لا يأمرني أن أخلع أثوابي ليفتشني ...

(3)

يظهر الميل للاغتراب واضحا في نفوس جيل الشباب، وبعيدا عن أعداد المهاجرين، أو الأخبار الكثيرة التي تتحدث عن غرق مهاجرين غير شرعيين بالبحر المتوسط أو القبض عليهم بواسطة خفر السواحل، وبغض النظر عن التقارير الصحفية التي تتناول عمل سماسرة تهجير الشباب، فإنه يكفي أن تسأل عددا من المنتمين إلى هذا الجيل في الشارع هل يمتلك أحدهم رغبة في الرحيل؟ حتى يندفع في إحصاء أحلام السفر وتصورات الحياة في الخارج، الأمر ذاته يظهر في حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج بعشرات المنشورات عن الهجرة وصور الطائرات المصحوبة بعبارات مثل "اللهم هجرة"، آلاف المشاركات التي تتحدث عن قوانين الرعاية الاجتماعية والصحية في كندا والسويد وألمانيا، خصوصا تلك التي ينشرها حساب "السويد بالعربية" على "تويتر"، الاندهاش الذي يتحول إلى صدمة ثم مشاعر حسرة وحسد أحيانا على مواطني هذا الجزء من العالم.

(4)

في أعقاب هجمات باريس، التي وقعت الشهر الماضي، انتشرت على آلاف الحسابات على "فيسبوك" و"تويتر"، دعابة تقول إنه إذا أرادت الحكومة المصرية إجلاء رعاياها المقيمين في باريس خوفا عليهم، فإن المصريين أنفسهم لن يوافقوا على العودة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.