المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شريف حسين Headshot

ما تخبرنا به "ملكات سوريا"

تم النشر: تم التحديث:

(1)
هناك عشرات المئات من التقارير الإخبارية التي تتناول المآسي الإنسانية في سوريا، صور وفيديوهات توضح حجم الدمار الذي ألحقته الحرب بمدن الشام الجميلة، أرقام يومية ترصد أوجه الصراع، عدادات توثق عدد الضحايا منذ 2011 وحتى الآن، وأرقام دقيقة عن أعداد اللاجئين السوريين حول العالم والمعدلات التي يتوقع الخبراء نسب ارتفاعها خلال الشهور المقبلة.

للأرقام طبيعة خاصة؛ لأنها أحد أشكال المنطق الرياضي الذي يمنح الأشياء دقة ما ويحصرها في مناطق محددة، فيهرول وراءها الجميع. حين تقرأ أن هناك ضحايا سقطوا بسبب حادث إرهابي في باريس فإنك تحصل على صورة غائمة لا تصف حقيقة الموقف، وحين تقرأ العنوان مصحوبا بالرقم "هجمات باريس المتفرقة بالقرب من استاد فرنسا وداخل مسرح باتكلان تسفر عن 127 ضحية"، فإن العدد يعطيك انطباعاً عن حجم الحادث وعن حجم النتائج المترتبة عليه، وعن مدى تأثيره في السياسة العالمية، لكن رغم تلك الأهمية الخبرية تبقى الأرقام وصفاً مسطحاً ليس له أبعاد أخرى، ولا تضع الإنسان ودواخله وأحلامه ورغباته ومخاوفه وكافة تفاصيله الصغيرة ضمن اعتباراتها.

الأرقام ذات أهمية كبيرة في الإخبار، والصحفيون يتتبعون الأرقام بجنون، لكن هذا البحث المحموم غالبا ما يأتي على حساب تفاصيل أخرى تستطيع أن تقرّب الجمهور من الصورة أكثر من الأرقام الجوفاء بعشرات المرات، لذلك فإن جماعات كبيرة ممن يعلمون بالصحافة صاروا ينادون بمزيد من القصص الإنسانية والمعايشات القريبة من المواطنين الفاعلين في الصراعات أو المتأثرين بها، تلك القصص التي تعود على الجمهور بمساحات معرفية وشعورية كبيرة بخلاف الأخبار التي تكتفي بالتعريف بالحدث ومكان وزمان وقوعه.

(2)
تقول إحصائية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، التابعة للأمم المتحدة، إن عدد اللاجئين السوريين في الأردن تخطى 600 ألف لاجئ بنهاية عام 2013، يكشف الرقم عن حجم معاناة الشعب السوري، لكنه لا يخبرنا شيئاً عن المعاناة نفسها، لا يصف كيف يقضي السوريون يومهم، الشعور بالضياع والحنين إلى الأهل والأصدقاء، ومراقبة أخبار الصراع عبر التلفزيون والصحف، وهم يعرفون أن تلك الشوارع التي امتلكوها في الماضي القريب وملأوا كافة زواياها ذكريات، صاروا اليوم محرومين حتى من مجرد رؤيتها.

في إطار فعاليات "بانوراما الفيلم الأوروبي" المقام في عدد من دور السينما بالقاهرة والمحافظات، يعرض فيلم يحمل اسم "ملكات سوريا"، يتناول بضعة أسابيع من التحضيرات التي سبقت عرض مسرحي تقوم ببطولته لاجئات سوريات في العاصمة الأردنية "عمّان"، حيث يقمن بإعادة صياغة للمسرحية التاريخية "نساء طروادة"، التي تتحدث عن علاقة النساء بالحرب، وعن التهجير القسري وإجبار الناس على الرحيل عن أوطانهم، عن الشتات والهروب من أجل النجاة والنظر إلى الحياة الأولى في وطنهم بحسرة وأمل ضئيل في العودة.

الشجن الذي يعتري وجه اللاجئات بطلات الفيلم، حين يتحدثن عن الأحداث التي مررن بها بسوريا قبل اللجوء إلى الأردن، دموع إحداهن وهي تحكي عن الكيفية التي تم بها قتل بعض ذويها واعتقال آخرين، إنها أشياء لا يمكن للأرقام أن تعبر عنها.

(3)
يوماً بعد يوم تبرهن الأحداث على أنه لا يوجد منطق يحكم هذا العالم، يزداد توحشاً وانجرافاً وراء الجنون، يسير بسرعة غير عادية في اتجاه تحويل البشر إلى مجرد أرقام، وتحويل ذاكرة الناس إلى عدادات لحساب أعداد الموتى وساعات العمل الشهرية وأرباح الشركات التي توازي ميزانياتها ميزانيات الدول، لكن ما يقف في طريق هذا الزحف المخيف، ذلك النوع من القصص الإنسانية، في الصحافة والسينما وغيرهما من الفنون، القصص التي تسحبنا من أيدينا وتضعنا بالقرب من أدق تفاصيل الحدث، وداخل مجرى دموع الإنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.