المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شريف حسين Headshot

الوصول إلى "ألكسندرا"

تم النشر: تم التحديث:

(1)
حين نجتمع داخل الحرم الجامعي بعد انتهاء يوم طويل، نتطلع إلى ممارسة صداقتنا كما اعتدنا أن نفعل على مدار عام كامل أو أقل، نجلس سوياً كي يحكي كل منا أخباره للآخرين ويشاركهم مشاكله وتطلعاته، نأتنس بوجود بعضنا بعضاً ونبالغ في أصوات ضحكاتنا هرباً من أشياء أخرى تشغل أذهاننا.

يسأل أحدهم: "هتعملوا إيه النهاردة؟"، نختار ارتياد أماكن قريبة هرباً من زحام القاهرة، دائماً ما تكون الاقتراحات متعلقة بما هو متاح وليس بما نرغب فيه بالفعل.

السؤال على بساطته وتكراره يكشف كيف أن جميع قراراتنا محدودة وأن الاختيارات ليست منطلقة من رغباتنا بشكل أساسي، يبدو الأمر بسيطاً لكنه في الحقيقة يعد نموذجاً لعشرات أو مئات الأشياء التي نرتضي بها فقط لأن ما نريده ليس متاحاً، نتحول بمرور الوقت لكائنات تجنح إلى تمشية الحال وتميل إلى أنصاف الحلول.
(2)
أحب الكتابة بأنواعها وأجد متعة خاصة في ممارستها، أكتب الشعر والقصة القصيرة وأمارس العمل الصحفي حتى قبل التحاقي بكلية الإعلام، أتفهم مديح البعض لكني لا أعلم لماذا يصاب كثيرون بالدهشة حين يعلموا أنني أمارس ما أحب منذ الصغر، ولا أعلم منذ متى صار الاختيار الحر المنطلق من رغبة الإنسان أمراً استثنائياً.

القاعدة هي أن تختار وتمارس اختياراتك منذ الطفولة، أن تفعل ما تحب، تبقى برفقته حتى تكتشف حقيقة انتمائك إليه، إما أن تقرر احترافه أو تتحول للبحث عن طريق آخر لتحقيق ذاتك.
(3)
تخبرني بأنها لم تختر كلية الألسن، تحب الكتابة منذ أن كانت طفلة وشغفها بالصحافة كان يدفعها دفعاً للالتحاق بكلية الإعلام، عندما لا يملك أحدنا القدرة على الاختيار، خصوصاً في القرارات المصيرية، تفقد الحياة جزءاً من معناها، وحينما يختار لك الآخرون ما لا تريده تفقد الحياة معناها بالكامل لأنك تتحول إلى أداة لتحقيق شيء ليس لديك رغبة في الوصول إليه من الأساس، تصبح الرحلة نفسها بلا فائدة.

تغلف خيبة الأمل نبرة صوتها، فأخبرها بأن هناك دائماً أكثر من طريق للوصول إلى ما تريد، أنا لست من محبي بيع الأمل ولا أجيد صياغة تعبيرات كاذبة حول التسلح به وحول البقاء في أسفل بناية النجاح انتظاراً لـ"أسانسير"، لكني أؤمن بأن هناك أكثر من طريق، أخبرها بأن المهن المرتبطة بالصحافة أو الكتابة بشكل عام تتعلق بالشغف والحب لا بالشهادات الرسمية، وأنه يمكنها الوصول إلى ما تريد طالما امتلكت هذا الشغف، أذكر لها أسماء صحفيين لامعين يحملون شهادات لا تمت للإعلام بصلة، فتدمع عيناها.
(4)
أشاهد فيلماً مغربياً للمخرج الهولندي جان ويليم فان إيفايك، حيث يمارس سائحون أوروبيون رياضة ركوب الأمواج على شواطئ مدينة "الصويرة" المطلة على المحيط الأطلنطي، وهي المدينة التي ينتمي إليها "فتاح" بطل الفيلم، ويعمل برفقة والده في صيد السمك، يقع "فتاح" في حب سائحة هولندية تدعى "ألكسندرا"، وحين تعود إلى بلادها يقرر خوض رحلة جنونية على متن مزلاج شراعي لركوب الأمواج لعبور المحيط الأطلنطي والوصول إلى "ألكسندرا".

يدرك فتاح أن الطريق ليس سهلاً على الإطلاق، المرور من قوات خفر السواحل في المياه الإقليمية الإسبانية بالمحيط الأطلنطي مستحيلاً، فضلاً عن ما سوف يواجهه من مخاطر الأمواج والجوع والبرد القارس خلال تلك المسافة الطويلة، يدرك "فتاح" ذلك كله لكنه يمارس حقه في الاختيار والوصول إلى ما يريد بالطريقة التي يقررها، لم يقتنع بالاكتفاء بأنصاف الحلول، لم يبحث عن حبيبة أخرى يضمن بقاءها، ولم يجلس وحيداً بين جدران غرفته في "الصويرة" ليغمض عينيه مسترجعاً ملامح "ألكسندرا"، ترك حياته وراء ظهره، وانطلق ليعبر "الأطلنطي" بحثاً عنها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.