المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شهاب الدين الهواري Headshot

للحب معنى آخر

تم النشر: تم التحديث:

يُحكَى أن الشاب الوسيم وريث عرش المملكة الذي لم يعرف للحب معنى سوى حب السيطرة، وأنه مادام يمتلك فلا حاجة لأن يُحِب. وكذلك الفتاة التي استغرقتها أحلام اليقظة عن فارس الأحلام الذي سيخطفها على جواده الأبيض، قد دبرت لهما الأقدار خلاف ذلك، ووضعتهما على مفترق طرق، إما أن يستمرا في تصورهما أو يعرفا للحب معنى آخر.

فتصيب الشاب لعنة تحيله إلى مسخ بغيض وتقع الفتاة سجينةً بين يديه، فهو يملكها وهي لا تطيق أن تنظر إليه، لكن حريته في يدها وحريتها في يديه، فلن تنحل اللعنة حتى يشق الحب طريقه بينهما، وليبدءا -مضطرين- رحلتهما في استكشاف معنى آخر للحب، كي يعرف الشاب حب التجرّد، وترى الفتاة الجمال الذي تخفيه الصورة. هذه هي الفلسفة التي أقرأ بها رائعة "ديزني" «الجميلة والوحش Beuty and the Beast»، والتي تجسّدت حين حررها لتعود لأبيها وهو يعلم أنه سيموت لو ما عادت إليه، وحين يلومه المعاونون: "كيف أطلقتها؟!" فيجيب بكل يُسْر: "لقد أحببتها.!".

يخبرنا الحبر تشاسي [١] أيضاً في مقالته «لم أكن أحب زوجتي يوم تزوجتها» عن رحلته الخاصة خارج أسوار ديزني للتنازل عن تصوره الأول لأجل معنى آخر للحب، فهو قد تعرف إلى فتاة أحلامه، وبعد القليل من اللقاء والمواعدة يقررا أن يتزوّجا، "طيلة ذلك الوقت كنت في كامل النشوة، تلك النار كانت تتقد بداخلي، كانت تتقد كتلك التي كانت في ثاني لقاء، لقد وقعت في الحب. ولكننا لم نكد أن تزوج وتغير كل شئ.!"، مع انتهاء أيام العسل وعودة الحياة الطبيعية، كان الحب يتلاشى في كل مرة يجلسان فيها على منضدة المنزل لتدبير سبل إنفاق بضع دولارات على ما تبقى من أيام الشهر، وفي كل مرة يدخل إلى المنزل فيلقي بجواربه جانباً بينما تُصر هي أن يضعها في سلة الملابس.

وبحسب تشاسي فإنه لم يدخر جهداً كي يحافظ على ما تبقى من ذكرى المواعدة والحب، لكن الورورد والمجسمات الحيوانية "الدباديب" لم تعد تصنع على وجهها ذات العلامات من الغرام التي كانت تصنعها قبل زواجهما. ولكنه وجد الحب في عينيها في أشياء لم تكن بحسبانه أنها تصنعه، حين عاد من المنزل فوجدها قائمة على تهيئة المكان فدخل إلى المطبخ ليقوم بغسل الصحون بدلاً عنها، وحين وجدها قد أنهكت في يومها فقام بتحضير العشاء لهما، يقول: "حينها غمرتني بنظرة شملت كل معاني الحب".

لقد استغرق الأمر وقتاً طويلاً من تشاسي حتى يُدرك أن للحب معنى آخر، لا تصوره أفلام "هوليوود" ولا تعرضه الشاشات المدبلچة، ويلخص معناه عن الحب فيقول: "الحب ليس مجرد مشاعر؛ وتلك النار التي كنت أشعر بها كانت وبكل بساطة نار شعورية، بسبب لذة مواعدة امرأة ظننت أني أستطيع طلبها للزواج، لكن ذلك ليس حبآ. لا، فالحب ليس مجرد عواطف ولا كلمات، إنه أفعال، بل ربما من الأفضل أن أقول أنه العطاء، هو أن تضع احتياجات شخص أخر فوق احتياجاتك."

إن الحب نبتة لا تُزهر إلا في بيئة صحّية، عندما نلتقي بذواتنا الحقيقية، بلا رتوش، ولا ظلال، ثم نحصل على القبول لما نمثله نحن من ذوات، هنا تروى بذرة الحب الخالدة؛ فالحب صعبٌ أن يُزهِر لكنه ما إن أن يفعل حتى يبقى لا تمنعه الحدود، ولا تخنقه الظروف، لكن ما تصوره سينما هوليوود ليس سوى عرض جميل، فليست الحياة هكذا كما تصوّرها سينما الإخراج المتقن، الذي ما أن ينتهي العرض حتى تتهاوى مشاهده لتُظهِر عرضاً آخر.!

وللحب أيضاً معنى آخر أختم به يحكيه لنا محمد المحب الأندلسي حين سألته محبوبته: "أتعرف ما حد الحب يا محمد؟!" فأجابها: "حدُّ الجوارحِ وما نملك، أم حد الروحِ والقلبِ والخيال؟ أما الجوارح فحدها الحرامُ، وما أنا بالذي يتعداهُ ولا أنت.! وأما حدُّ الروحِ والقلبِ فحيثُ يهيمانْ، حيث تقدرُ الأعمار والأمصارُ والأقدار، وهبي أني خرجتُ من هذا المكانِ ثمَّ لم أعدْ إليه، هل تفارقهُ روحي أو يفارقهُ قلبي؟! ليتهُ كان.! ليتهُ كانَ فأريح واستريح. فإن كان بقائي هنا حضرتُ أم غبتُ، شئتُ أم أبيت، فما الذي أصيبهُ بالبعدِ غير خيانة القلبِ والروحْ.! [٢]

من هنا يا صديقي، فللحب معانٍ أخرى غير تلك التي يعرفون، الحب انفتاح وتعرّض للآخر بكل ما في ذلك من مخاطرة الرفض والجرح والألم. الحب قوّة للخارج تفرض عليك أن تُعطي قبل أن تتناول، بل حتى وإن لم تتناول شيئاً. والحب هو السلطان الذي لا يعرف الأسوار والأعمار والقيود، هو القوّة الشافية التي وهبت لنا.!
______
١- Pop Chassid, I didn't love my wife when we got married.
٢- وليد سيف، من سيناريو ربيع قرطبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.