المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شذى الحرازي Headshot

يوميات هاربة من الحرب

تم النشر: تم التحديث:

تستيقظ صباحاً لتتسلل في جهازك المحمول إلى قوائم أهلك وأصدقائك في موطنك الذي يشهد عدة حروب متداخلة منذ أشهر, ترسل رسالة تختصر ساعات طويلة من الخوف والهلع من أخبار رصاص طائش أو قذيفة عشوائية متهورة أو نيران صديقة ومباركة, ترسل رسالة قصيرة "هل نجوتم بالأمس" وتحتضن كفيك راجياً بصمت أن يجيبوا. هكذا تمر صباحات الهاربين من الموت.

لمدة طويلة تظل أصوات الحرب تسكن رأسك الصغير وتلازم عقلك الباطن, حين يطرق أحدهم الباب بقوة تبحث عن ركن في غرفتك للاختباء وكأنك مازلت تحت القصف، كل صوت ارتطام يشبه طائرة حربية قصفت هدفاً بالقرب من منزلك، حيث كنت قبل أن تتمكن من الهرب.. أصوات الرعد تبدو كعدو يتربص بك لموقفك السياسي.

في المساء حين تخلد للنوم تتكرر أحلام غريبة، حتى بالنسبة لشخص كانت أحلامه سابقاً شاشة سوداء لا أحداث فيها تصبح أحلامك الليلة أكثر وضوحاً، كما لم تكن من قبل، في كل حلم هناك حرب تحاول النجاة منها، ومسلحون على الأرض يلاحقونك، أو طائرات تقصف بالقرب منك أو يدك الممدودة لمساعدة صديق على الهرب لا يلبث أن يفلت يدك ويسقط متهاوياً صارخاً.

تبدو مخاوفك المعقولة في الواقع سخيفة جداً حين تفتح رسائلك لتتلقى أخباراً مرعبة عن مقتل صديق أو اعتقال آخر أو استهداف جموع من الأبرياء في عُرس ما، حين تقرأ في حائط صديق لك يعيش في مدينة تعاني من حصار مجحف يمنعها حتى من توفير مياه الشرب "أنا لم أشرب ماء منذ البارحة, بالأمس وجدت قنينة ماء بواسطة أحد أصدقائي وبقيت أقتصد فيها حتى المساء، والآن سأخرج في رحلة جديدة للبحث عن قنينة ماء أخرى".

وصديق آخر يكتب: اتصلت بوالدتي في المدينة المحاصرة وبعد السلام مباشرة قالت إنه لم يعد لديهم مياه للشرب، ولا يمكنهم إيجاد ماء لشرائه!

وتتداول الأخبار خبر أصدقائي الشجعان الذين قرروا أن يسيروا من مدينتهم 63 كيلومتراً حاملين قناني المياه مجتازين الحصار من مدينة إلى مدينة ليرووا العطشى.. "لا أحد يموت من العطش والعالم يشاهد" هذه رسالتهم.
اعتقل رجال البنادق رجال المياه وتوقف السير فأمطرت السماء.
ويتراكم عجزك أنت الذي لا تملك سوى صوتك وأخيلة الحقيقة أمام جنون المدفعيات والبنادق والطائرات الحربية حين يخبرك صديق آخر "فقدت أسرتي في القصف الذي استهدف عرساً منذ أسبوع, كان عرس قريبتي والحضور أغلبهم من أهلي, تصوري قرية كاملة صار رجالها ونساؤها وأطفالها كلهم محروقين".

لا أحب صور الضحايا لا أحب نشرها أو تبادلها, كيف تصبح صور القتلى والدماء والأجزاء المتناثرة من الإنسان مشاهد اعتيادية مع قهوة الصباح, متى استبدلنا فيروز بالتصالح مع الموت, تعهدت يوماً أنني حين أموت سأخبر أصدقائي بأن يتناقلوا أجمل صورة لي في الحقيقة سآخذ صورة في أجمل هيئة يمكن أن أكونه يوماً وسأسميها صورة موتي حتى يتناقلها أصدقائي بعد موتي, سأكون مبتسمة هكذا أريد الجميع أن يذكرني. لماذا نساهم في انتشال من مات من ذاكرتنا باختصار حياته كلها في مشهد موته يظل قاتله طليقاً والحقيقة غائبة ويظل هو جثة في صورة نتناقلها بهواتفنا, ماذا تقول المعزيات لأمه: "شاهدت فيديو مقتله البشع كان مؤلماً للغاية هل شاهدته أو أقوم بإرساله لك؟".

الغريب مع تراكم كل هذه الجرائم كوجبات يومية لم تعد غددك الدمعية تتفاعل, هل اعتادت الأمر أيضاً! الحزن كالحب إذن, حين يتحول لعادة يبلى.

تبكيني مشاهد الحياة لا مشاهد الموت لا أعرف إن كان الأمر طبيعياً, أصبحت أبكي من طيبة الناس لا من شرورهم، هل اعتدنا الموت والشرور إلى الحد الذي أصبحت الحياة فيها استثناء ومفاجأة سارة! لم أعد أبكي من مشاهد القتل لكن تقريراً متلفزاً عن أطفال في تعز يحتشدون على بائع الأيسكريم الوحيد يبكيني.

في المهجر في إحدى المدن التركية كنت أجلس على الشرفة أشاهد أبناء الحي يغرفون الماء من البئر الذي تطل عليه شرفتي، بدا الأمر مشهداً رومانسياً للغاية هل يبدو كذلك للآخرين أم للهاربين من الحرب، مثلي فقط من يعرفون قيمة الماء وتوافره؟

أتأمل مشاهد الناس في المواصلات العامة منشغلين بأجهزتهم المحمولة يلبسون ملامح لطيفة أو جادة أو يتحدثون مع أحدهم ويضحكون دون أن يعرفوا أن شعباً ما في أقصى الخريطة يعيش حروباً متداخلة في بعضها، كيف يستيقظ أحدهم ويلبس ثيابه بأناقة ويأخذ المواصلات العامة ويذهب للعمل ويعود لأهله في المساء دون أن يدرك أن كل ما لديه الآن هو أمنية لملايين الأشخاص في العالم.

أنا أيضاً أريد ما لديهم، كيف أستطيع الهرب من الحرب؟ كيف يكون جسدي آمناً وروحي في قبضة الحرب أميالاً جغرافية من حيث أنا.. ثم أدرك أن محمود درويش قال لي ذات خيال:

"افرح بأقصى ما استطعت من الهدوء؛ لأن موتاً طائشاً ضل الطريق إليك من فرط الزحام.. وأجَّلك!".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.