المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء المريني Headshot

كُن صديقي

تم النشر: تم التحديث:

هل حدث أن قابلت شخصاً يتحمل حدة طباعك؟ يغفر لك زلاتك؟ ومهما فعلت يظل بجوارك؟

هل سبق أن سقطت لتجده أول مَن يمد لك يد العون ويسمعك بصدر رحب؟ يخفف من آلامك وقسوة أيامك بل ويشاركك مجمل أحلامك وأمنياتك؟

هل وجدت ضمن لائحة أصدقائك الطويلة ذلك الرفيق الذي يتحمل عناء إسعادك وقت الضيق؟ مَن يظل على الخط ساعات طوالاً ليشعرك بالهناء؟ من قد يتكبد العناء والمشقة ليراك ضمن النخبة؟

ماذا عمن يتحمل حماقاتك ويسايرك على منوالك فقط لإسعادك؟ غير أن هذا لا يمنعه من انتقادك لتقوى مواطن ضعفك، وكذا نصحك لتستفيد من زلاتك، بل ويوجهك لمصلحتك الفضلى لأجل أن تحتل الصدارة وبجدارة.

هل وجدت مَن يشاركك حب نفس الفريق؟ من يشرح الدرس ويعيد؟ مَن يدعوك لتكمل الدرب الطويل؟ ذلك الرفيق الذي تخوض معه النقاشات لساعات طوال دون ملل أو كلل مَن يكنّ لك كل الود والتقدير مَن يرسم على شفاهك البسمة بل، ويسعى دائماً لأن يراك في أبهى حُلّة.

إذا وجدت هذا الرفيق ضمن قائمة أصدقائك الطويلة، فاعلم أن الحياة قدمت لك هدية قيمة قد لا تحظى بها مرتين، إنه الصديق الحقيقي؛ ذلك الذي يراك انعكاساً له رغم الاختلافات والفوارق الواهية، فلا البعد يضعف قوة المحبة، ولا قلة الحديث تقطع رابط الألفة والود الرفيع.

إنه السند والملاذ عندما تضيق بك الحياة؛ لتجده أول قريب تهمس إليه بما يجول في خاطرك، إنه بمثابة صندوقك العجيب الذي يحتوي أسرارك، ومذكرتك الرفيقة التي تشاطرها لحظاتك، ومستشارك الوجيه الذي تفصح له عن مشاريعك ومخططاتك.

تكبران سوياً وأواصر المحبة تغدو أقوى وأقوى وكأنه توأمك الذي أنجبته الحياة ليكون بجانبك، يستشعر ألمك من بريق عينيك، من نبرة صوتك ومختلف حركاتك، يجسّد حالتك ويدرك مدى صفو مزاجك وكأنه طبيب نفسي يشخّص حالتك.

انها الصداقة، رابطة تفوق الحب، فلولا وجودها لما وُجد شيء اسمه أُنس ودفء، قيمة أخلاقية تكسر نظرتنا السطحية للأمور؛ إذ لا تعترف بوجود حدود سياسية أو فوارق اجتماعية أو اختلافات عرقية أو لغوية.. إلخ، بل تعترف بأمر واحد هو سمو الإنسانية لتوحد الناس على مبدأ الأخوة والتعايش.

اختلفت المقولات وتعددت الألفاظ والدلالات، بل واختلفت الكتابات، غير أنها أجمعت على قيمة الصداقة ومكانتها النبيلة وما لها من أثر حسن في تهذيب النفوس وتزكيتها بجميل الأخلاق الطيبة، يقول فولتير: أيتها الصداقة لولاك لكان المرء وحيداً، وبفضلك يستطيع المرء أن يضاعف نفسه وأن يحيا في نفوس الآخرين.

إنه تعبير يختزل في مجمله معالم الإنسانية، ويرسخ قيم الصداقة الحقيقية تلك التي ترى في الغير صورةً مشابهةً لها، روحاً تكنّ لها كل مشاعر المحبة والود والتقدير؛ إذ يتلاشى في حضرتها كل خلق ذميم من كراهية وحقد مقيت يؤجج في النفس مشاعر بغيضة، بل وتذوب المصلحة الفردية في خضم الجماعية؛ ليعم الخير الجميع ويسود التآزر والتعايش بين الأنام في كل مكان.

ننتظر ثمرات الطبيعة من فصل إلى فصل، بينما نقطف ثمرات الصداقة كل لحظة؛ لنتنفس عبيرها ونبصر جمالها، ونسعد بوجود أرواح وفيّة كان لها أثر طيب في مسار حياتنا، فهنيئاً لمن حظي برفيق يكمل معه الدرب الطويل؛ إذ يقال إن الصداقة مصباح وهاج ينير الطريق أمام السائرين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.