المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء المريني Headshot

حتى لا يموت الأمل

تم النشر: تم التحديث:

من المتعارف أن اقتراف الأخطاء والانسياق وراء الزلات والسقوط في المطبات من مفاتيح النجاح في الحياة.. فمن نهل التجارب نستشف العِبر، ومن ألم الفشل يتولد نور الأمل، وبين شدة الأحوال ورخاء الأجواء تبرز البوادر الأولى لولادة شخصية انقيادية تحول لحظات الضعف إلى قوة، وتجبر الظروف على الانصياع مهما اشتد الحال، بل وتنتصر على مختلف المعيقات، وتتجاوز كل الصعوبات لتحقق ذاتها وتجعل من الأمل عنوانها.

أتأمل الأمر جيداً؛ لأجد أن الأحداث تتسارع، والأمور الشائكة تتكاثر، ونفس الإنسان مستمرة في التآكل.. فحتى نظنها النهاية لنتفاجأ بكونها خطوة في مقدمة الطريق، بل نقطة في محيط قد يبدو للوهلة الأولى هادئاً يحتوي على كل خير جميل؛ ليتحول دون سابق إنذار إلى طوفان هالك قد يأتي على الأخضر واليابس.

كم هي الأوقات العصيبة التي مررنا بها؟ كم هي الصفعات الموجعة التي تلقيناها مرة تلو أخرى؟ كم هي الأحلام التي دفناها أسفل السافلين بعد أن كانت من الأولويات بل دونها لا تستقيم الحياة؟ كم هي الأمنيات التي تطلّعنا إليها بشغف وروح أمل لينتهي بها الأمر في سجل الذكريات كلحظة مؤنسة مرت بالذاكرة ليطبع أثرها فيظل خالداً مدى الحياة؟ كم هي الآمال التي عقدناها على مستقبل زاهر وشخص خلص حاضر وحلم آسر، غير أنها اندثرت في الأجواء كما يندثر السحاب في السماء فيسقط على هيئة ماء؛ منه العذب الذي يروي الأرواح، وآخر يمحو دموع الأشقياء من دونوا أمانيهم بين الصفحات وقبل النوم تفقدوها هل لا تزال هناك؟ فأمل مكتوب خير من ألم مكبوت.

هي الحياة في تقلبات فلا منجى منها سوى التشبث بالآمال؛ أمل في غد يمحو الأسى، ويجعل الحلم الغابر واقعاً معاشاً يرسم البسمة ويزيل الحسرة، أمل في عودة الحب إلى قلوب هشّمها الكره وترعرع فيها الغل وتشبعت بالحقد، أمل في شفاء عليل بعد أن تأوّه من الوجع فأصبح الألم مرقده والمعاناة مضجعه، أمل في أن يعانق يتيم دفء أسرة حاضنة، أمل في عودة لاجئ لوطنه؛ ليحيا حضارة عريقة ويعيد أمجاد أمة عهدت العزة، وأبت الذلة، أملاً في أن يحقق العدل ويرفع الظلم.

الأمل ليس وهماً يجعلك تستشعر الأمان والسلام الداخلي لدقائق معدودات؛ لتعاود الانغماس في حالة الاكتئاب والمعاناة التي عهدتها، كما أنه ليس درساً نظرياً من دروس التنمية البشرية لتتلقاه في المعاهد الخصوصية، إنما الأمل قناعة نابعة عن إيمان حقيقي قوي بأن الأفضل آتٍ لا محالة، وأن الحياة لا تزال تحوي الكثير من الخيرات والمسرات فقط هي تقلبات نمر بها تارةً سعادة غامرة، وتارة أخرى حزن دفين يؤجج في النفس الأسى حتى ينسينا من نحن ها هنا، هي اختبارات لا يسعنا سوى تجاوزها بدهاء حتى نخرج منها منتصرين على جبروت الحياة.

هنيئاً لمن سقط وبعد الألم قام، هنيئاً لمن فشل وأعاد الكرة فتبوَّأ من المنازل تلك الفضلى، هنيئاً لمن تجاوز أقوال الناس الجارحة المحبطة، وأتمَّ طريقه حتى بلغ القمم بنفس أبيّة وروح مؤمنة قوية، معتبراً أن كل شيء ممكن، فصحيح أن زمن المعجزات قد انتهى، إلا أن قدرة الخالق لا تعرف منتهى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.