المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء جلهوم Headshot

الرخصة الإنجابية في مصر.. حظ أفضل للأجنة

تم النشر: تم التحديث:

كانت ليلة شتوية باردة، لم تستطع أكواب الشوكولاتة الساخنة، أن تمنح الأسرة قدر الدفء المطلوب. تحاول إيمان، جاهدة، السيطرة على موجات البرد، التي تجتاح منزلها شتاءً. الغداء كان طبقًا من شوربة العدس، ومعه الفلفل الحار، لمذاق جيد، ومزيد من السخونة. انتهت الوجبة الرئيسية، ثم أتم الأطفال مذاكرتهم، استأذنوها بمشروب آخر قبل النوم، أعدته لهم ولأبيهم. نام الأطفال، ولم ينم، ظل يعاني بردًا، تحاول جاهدة أن تتقيه بعد أن أنجبت ثلاثة من الأبناء. تعرف أن ليالي الشتاء ستجر عليها المزيد من الأعباء، كانت تحاول التهرب منها، ولأجل مزيد من الدفء في برد قارس، تحملت إيمان أعباء طفل رابع، لم تكن تتوقعه.

الإنجاب في مصر، لم يعد سهلًا للكثيرين، فالطفل لم يعد يأتي ورزقه معه، كما تخبرنا الجدات، لكن يأتى معه المزيد من الالتزامات والمسؤوليات المادية والمعنوية، ففي الوقت الذي يرزح فيه ملايين المصريين تحت الحد الأدنى للأجور، ارتفعت أسعار حفاضات الأطفال، وألبانهم، ومستلزمات السنة الأولى بما يوازي أربعة أضعاف في العامين الآخرين، بالإضافة إلى ما يصاحب باقي سنوات العمر، من مصروفات للمدارس، والأنشطة، والمزيد من التعليم المرن، أو غير المرن، تخلى الكثيرون، خاصة من سكان المدن الحضرية، عن حلم العزوة، ليكتفوا بطفل واحد أو طفلين على الأكثر. لكن مؤخرًا، قرر برلماني مصري، أن يقدم مشروع قانون بإصدار رخصة إنجاب للمتزوجين، تعطى مرتين في العمر، بفارق خمس سنوات على الأقل، مع وضع اشتراطات خاصة للحصول على الرخصة للمرة الثانية.

كان للأمر صدى واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، التي سخرت من المقترح البرلماني، لكن على أرض الواقع لم يزل جعفر، يبحث عن زوجة ثانية تكمل ما بدأته الأولى، لتحقيق حلمه، في إنجاب مزيد من الأطفال، يحملون اسم الجد القناوي الكبير.

يعمل جعفر في مجال المقاولات، تخطى الأربعين بقليل، يملك جسدًا ضخمًا، وثروة معقولة، وأحد عشر ابنًا، وخمسة أحفاد. تزوج الرجل الصعيدي قبل أن يكمل 18 عامًا، وكسر حاجز العشرين وهو أب لولدين.

تزوجا اليوم، ليعيدًا سيرته الأولى، بينما لم يتوقف هو عن دعم فحولته بمزيد من الزوجات، في صعيد مصر، لم يكن لمشروع قانون الرخصة الإنجابية أي وجود، فلم يفلح برلمان السيسي، فيما جاهدت فيه سوزان مبارك لسنوات طويلة، عبر مشروعات "الدكتور، ومراكز تنظيم الأسرة، والمراكز الحضرية".

كل ذلك لم يغير العقيدة السائدة في الريف "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، خلت مصر مؤخرًا من المال، لكن بقي البنون زينتها، بحسب آخر التعدادات السكانية لعام 2017.

في التعداد الأخير، شكلت نسبة الشباب في مصر تحت سن 18 سنة ، حوالى 18%، أما الفئة العمرية للشباب من سن 15 إلى 35 عام، فشكلت حوالى 34.5 %، رغم الإقبال على الهجرة، واتساع رقعة الحالمين بفرص السفر للخارج، بقيت ثروة مصر في شبابها، وهو ما ينبئ بحسب الجهاز المركزي للإحصاء، بزيادة كبيرة في عدد المواليد، كانا نهى وخطيبها محمود، قررا أن يكتفيا بطفل واحد من دون تلك الإجراءات التي سمعا عنها مؤخرًا، عبر مواقع التواصل.

الزفاف الذي تبقى على موعده شهران، يسارع محمود الآن في تقديم موعده، قبل أن يبدأ البرلمان في مناقشة المشروع وإقراره "مش بعيد عليهم يعتبروا ده صب في مصلحة المواطن برضو زي كل يوم خميس"، رغم الاتفاق بين محمود ونهى، إلا أن القانون الجديد؛ أثار لديهم مخاوف من أن تحرمهم الدولة قسريًا من الإنجاب "إحنا اتفقنا على طفل واحد على مضض لإني مش مقتنع وطبعًا أهلنا مش هيوافقوا بس أنا دلوقتي بعيد تفكير في كل اللي خططناه".

في حالة إقرار القانون، سيلجأ محمود ونهى للأدوية المنشطة، والمحفزة لإنجاب التوائم، في ضربة موجعة للقانون "هما عاوزين يخلونا ما نخلفش غير كل خمس سنين طيب احنا هنجيب 4 في خمس سنين بدل اثنين".

استفادت مصر من التجربة اليابانية في التعليم، وتم افتتاح أكثر من مدرسة لتطبيق نظم التعليم اليابانية، بعد زيارة الرئيس السيسي لليابان، وعلى غرار التجربة اليابانية في المدارس، يبدو أن مصر قريبة إلى تطبيق التجربة الصينية في الإنجاب. في الفترة منذ عام 1978، وحتى عام 2015، حين طبقت الدولة الأولى في تعداد السكان، سياسة صارمة تلزم مواطنيها بطفل واحد فقط لكل أسرة، وإلزام المخالفين بغرامة مالية ضخمة، وحرمان المولود من كافة الامتيازات التي تمنحها الدولة للطفل الأول، في ما يتعلق بفرص التعليم، والصحة، وحق الانتخاب.

نجحت السياسة الصينية في تخفيض معدلات المواليد بنسبة تصل إلى 250 مليون ولادة، خلال هذه الفترة، لكنها برغم ذلك اضطرت لإلغائها، بعد أن تحول المجتمع الصيني إلى مجتمع مريض بالشيخوخة، وزادت حالات الإجهاض القسري، ووأد البنات، وعدم تسجيل الإناث، وسببت عدم التوازن بين الجنسين، وهو ما أشارت إليه الدراسات الاجتماعية، بأن 24 مليون رجل صيني قد لا يمكنهم العثور على زوجات بحلول عام 2020.

الزيادة السكانية، التي كانت سببًا في تراجع مستويات التنمية، منذ عهد مبارك وما تلاه وصولًا للسيسي، ستنتهي للأبد، بعد مئات النقاشات والفتاوي حول مشروعية تحديد النسل، وأفضلية استخدام كلمة "تنظيم"، عن لفظة "تحديد"، سيتراجع شيوخ المساجد عن تكرار الحديث النبوي "تناكحوا.. تناسلوا.. فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، ستعاود أبواق الإعلام استخدام شبح الزيادة السكانية التي ستأكل الأخضر واليابس والعاصمة الإدارية الجديدة، وقناة السويس الجديدة، وكل جديد يأتي على مصر، سيُمنع المصريون من الإنجاب، وسيحظى ملايين الأجنة بحظ أفضل لأنهم لم يولودوا في مصر.

- تم نشر هذه التدوينة في موقع جيل

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.