المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء الصلح Headshot

الأمومة.. حين تعبث بالعقول

تم النشر: تم التحديث:

لطالما كان نجاحي على الصعيد العلمي والمهني أولوية في حياتي، لم أكن أدرك يوماً أن تصورات الإنسان ومواقفه وأفكاره هي في مهب رياح التغيير، ولم أكن أتخيل للحظة أنني قد أختار تغيير أحلامي طواعيةً وحباً واقتناعاً، لكن يبدو أنّ ما حدث لي هو شعورٌ جارفٌ غالبَ شعوري بذاتي وحبي للأنا خاصّتي، هذا الشعور نفسه الذي وُلد مع انبلاج ساعات الصباح الأولى حين سمعت صرخاتكِ يا طفلتي لأول مرة.

الأمومة.. كيف عبثت بعقلي؟.. الطفولة.. ماذا أيقظت في وجداني؟

لا أعلم.. لا أعلم كيف أصبح نجاحكِ يا صغيرتي هو كُلّي وشُغلي وهمّي، لا أدري كم ستبقين من السنين في أعلى قائمة أولوياتي.. لكن ما أدركه تماماً هو أنّ نجاحكِ متعتي وشغفي ومكافأتي في هذه الحياة، بل وتحقيقاً لذاتي يا كلّ ذاتي.

طفلتي.. أعلم مُسبقاً أن النتيجة قد لا تكون مختلفة عن نتائج الآخرين، وأنّك قد تكبرين لتصبحي إنسانةً عاديةً جداً، لكن حينها سأعلم أنك لم تكوني يوماً تفصيلاً صغيراً من تفاصيل حياتي بل كنت الرواية جُلّها، بأدوار البطولة وأحداثها، وسأوقن أنني بذلت قصارى جهدي لتصلي إلى ما أنت عليه حينها.

في خاطري يا ابنتي بعضٌ من رسائل وقليلٌ من أحلام أنسجها لكِ في هذه السطور، علّها تكون مرشداً ومعيناً لكِ في رحلتك وسعيك في هذه الحياة.

قبل كلِّ القصص والحكايات يا صغيرتي، أريدك أن تعلمي أنّ أهمّ ما يعنيني هو أن تكوني سعيدة، مطمئنّةً إلى معرفتك بذاتك، تعلمين أين تضعين طاقاتك وقدراتك، تشعرين بالامتنان والعرفان لكل ما حباك الله به من نعم، تنعمين بالهدوء والسلام والرضا في داخلك.

ولتعلمي أيضاً أنّ تقييم الآخرين لكِ لا يهمّني، وأن درجاتكِ المدرسيّة لن تكون يوماً معياراً لطموحك وشغفك، وأن المدرسة ذاتها ليست إلا محطةً عابرةً في حياتك، وستثبت لك الأيام أن المدرسة الحقيقية التي سترغبين في التعلم منها والنجاح بها هي تلك التي لا أسوار ولا حدود لها.

إياك ثم إياك يا طفلتي أن تُصمتي أفكاراً مجنونةً في عقلك، وإياك أن يُسيّرك مجتمعٌ متخلفٌ يقدّس المألوف ويتعبّد بالموروث.

حبيبتي.. أحبك قارئةً نهمة، تُدرك أن في الكتب حياةً تُلهم العقول وتُحيي الأرواح، كوني يا ابنتي متواضعةً في حضرةِ العلم، صبورةً على طريقه وإن طال، وهو طويلٌ لا يعرف النهايات، ولا يُثنينّكِ خاملٌ أو حسودٌ أو جاهلٌ على أن تسألي وتبحثي وتشقّي طريقكِ في الاكتشاف والتجربة.

صغيرتي.. ليست تحلو الحياة من دون من نحب، ولسنا نرغدُ من دون ودّهم وصلتهم، فلا تزهدي بقربهم وأحبيهم بكل جوارحك وبكل عثراتهم، ولكن أيضاً لا تبيعي كلّ أحلامك وأمانيك كرمى عيونهم.

حُلوتي.. اعلمي أن في هذه الحياة مآسىي تفوق الخيال والاحتمال، فادعِ الله دائماً أن يجنّبكِ إياها، ومُدّي يد العون للمحتاجين والمستضعفين والمبتلين، تعاطفي وأنفقي من جهدك ووقتك وعلمك ومالك وعلاقاتك في سبيل الإنسان والإحسان، واصنعي فرقاً ولو في حياةِ شخصٍ واحد.

أدرك يا ابنتي أن طموحي قد يبدو متقزماً بالنسبة لكِ، لكنّي أعدكِ أنني سأبذل جهداً وعنايةً في زَرعي.

وشكراً يا ابنتي؛ لأنك منحتني هذه الفرصة، فرصة أن أتعرف على الإنسان في داخلي، وأن أكتشف التغيير وجماله، وأن أدرك أن العطاء جميلٌ جميل، بنكهة ابتسامة ثغرك اللامع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.