المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شريف منصور Headshot

أحلام التجربة الأردوغانية

تم النشر: تم التحديث:

إن المتابع لما يجري في العالم العربي خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي وإخفاقاتها بفعل الثورة المضادة يجد اهتماماً كبيراً يصل لحد الانبهار بالتجربة النهضوية التركية التي مثلها حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الإسلامية بقيادة رجب طيب أردوغان ورفاقه خلال ثلاثة عشر عاماً قفزت خلالها تركيا قفزة هائلة احتلت فيها المرتبة السابعة عشرة بين أقوى الاقتصاديات على مستوى العالم في تجربة نهضوية ملهمة.

وكذلك نجد الكثير من الدراسات والأبحاث والمقالات التي تناولت الكثير من الجوانب الإصلاحية المشرقة لهذه التجربة. وبطبيعة الحال حازت التجربة التركية على الكثير من اهتمام الحركات الإسلامية الطامحة إلى تكرار التجربة باعتبار الخلفية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

فبعد تجربة الإخوان المسلمين في حكم مصر التي انتهت بانقلاب عسكري دموي بعد عام واحد من حكم الرئيس محمد مرسي وجدنا فريقاً من الإخوان المسلمين ينظر إلى الرئيس مرسي باعتباره نجم الدين أربكان الذي انقلب عليه عسكر تركيا في عام 1997 ما تسبب في انفصال المجموعة التي أسست حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان وجول وفازت بالانتخابات عام 2002 وشكلت الحكومة وقادت مسيرة النهضة في تركيا.

ومن وجهة نظري أن هذا إسقاط غير دقيق نظراً لاختلاف الظروف والأحوال والبيئة الإقليمية، فلا الرئيس محمد مرسي هو نجم الدين أربكان، ولا الفريق الذي يعتبر نفسه المجدد هو أردوغان ورفاقه.

في عام 1970 أسس البروفيسور نجم الدين أربكان، أستاذ الهندسة الميكانيكية حزب "النظام الوطني" الذي مثل البذرة الأولى للإسلام السياسي في تركيا، وبعد عام واحد من تأسيس الحزب في 1971 وضع البروفيسور أربكان رؤية واستراتيجية واضحة للمسيرة السياسية تنم عن فهم عميق للواقع التركي ولهدفه الذي يصبو إليه، فقال خلال كلمته التي ألقاها في المؤتمر الأول للحزب "إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يخربوا هذه الأمة ويفسدوها، وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان ليس أمامنا إلا العمل يداً واحدة وقلباً واحداً حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى ونصل تاريخها المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقاً".

نحن إذا أمام تجربة سياسية جذورها ضاربة في عمق سياسة الدولة التركية الحديثة حصلت على فرصتها في إدارة الدولة رغم القيود من خلال البلديات والوزارات منذ عام 1973 عندما دخل البروفيسور أربكان بحزبه الثاني (الإنقاذ الوطني) في ائتلاف حكومي مع حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد آنذاك.

ومن ثم فإن هذه التجربة السياسية الممتدة لأكثر من أربعين عاماً لم تتوافر للإخوان المسلمين في مصر أو غيرها حتى يستطيعوا تربية كوادر قادرة على تحمل كلفة الحكم وتبعاته رغم الجهود الهائلة التي بذلها الإخوان المسلمون خلال عام حكمهم، إضافة إلى إستماتة الدولة العميقة وداعميها الإقليميين والدوليين.

إن أردوغان الزعيم خرج من رحم تجربة سياسية واقعية التحق بها منذ عام 1977 على يد أستاذه أربكان، فمارس السياسة واقعاً عملياً من الشوارع والأحياء والبلديات والوزارات إلى رئاسة الحكومة فالجمهورية، ولم يخرج الزعيم أردوغان من الصالونات أو المنتديات الفكرية أو قاعات الفنادق ومراكز الدراسات والأبحاث على أهميتها الكبيرة، ولكنه خرج من واقع مختلف وبيئة بها قدر كبير من الديمقراطية والحريات رغم الانقلابات العسكرية.

لذلك فالحركة الإسلامية بحاجة ماسة إلى أن تنتقل من النظرية إلى التطبيق، ومن الأحلام إلى الواقع، وهذا ما سنفصله في مقال قادم بحول الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.