المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شريف منصور Headshot

عسكر مصر والحرب القذرة

تم النشر: تم التحديث:

ظهر مصطلح "الحرب القذرة" في الأرجنتين بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيسة إيزابيل مارتينيز دي بيرون في 24 مارس/آذار 1976 بقيادة الجنرال خورخي فيديلا, حيث عاشت الأرجنتين سنوات وصفتها المنظمات الحقوقية بالسوداء، وخلفت وفق تلك المنظمات مقتل ما بين 15 و30 ألف مواطن.

وعلى المستوى الاقتصادي تضاعف الدين العام 4 مرات، وانخفضت قيمة العملة المحلية عشرة أضعاف، وتزايدت الفروقات بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، واتُّهم فيديلا بالتخطيط لهذه الحرب القذرة ضد معارضي حكمه العسكري بقتلهم وإخفائهم بعد إخضاعهم لعمليات تعذيب وإلقائهم من الطائرات والمروحيات في نهر" لابلاتا"، وفي المحيط الأطلسي لإخفاء جثثهم، وتسببت ممارسات خورخي فيديلا في ظهور مصطلح "الإخفاء القسري" في خطاب المنظمات الحقوقية بأميركا اللاتينية، وانتهت الحرب القذرة في الأرجنتين بعد نهاية الحكم العسكري واستعادة الديمقراطية عام 1983، ولكنها خلفت وراءها مرارات وآلاماً ما زالت تعاني منها الأرجنتين إلى اليوم.

وتوفي خورخي فيديلا بسجن (ماركوس باز) في نهاية سيئة لديكتاتور قاتل، ولم يحظَ بأي تشريفات عسكرية في جنازته، وتم تجريده من رتبة الجنرال بالجيش مصحوباً بلعنات الملايين.

وإذا نظرنا إلى الوضع في مصر، خصوصاً بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، سوف نجد أن مصر تسير على خطى سيناريو الحرب القذرة في الأرجنتين، بحسب قول حسين حسن نائب رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، في تعليقه على تصاعد ظاهرة الاختفاء القسري والقتل خارج إطار القانون الذي تمارسه الداخلية المصرية.

من ناحية أخرى، وثقت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات 1001 حالة اختفاء قسري في مصر خلال النصف الأول من العام الحالي بمعدل خمس حالات يومياً، وذكرت التنسيقية في تقريرها بعنوان (ضحايا الاختفاء القسري)، أن الكثير من تلك الحالات تظهر في وقت لاحق داخل أماكن الاحتجاز، ولكن بعد مدد زمنية طويلة، فيما يتم قتل آخرين، تم توثيق حالات منهم، وهي اتهامات عادة ما تنفيها وزارة الداخلية المصرية رغم توثيقها.. وقالت التنسيقية الحقوقية إنها رصدت منذ أحداث الانقلاب العسكري في مصر يوم 3 يوليو 2013 وحتي نهاية يونيو/حزيران هذا العام 2811 حالة اختفاء قسري من قِبل الأجهزة الأمنية في مصر.

وتعرف منظمة العفو الدولية (أمنستي) الاختفاء القسري بأنه يحدث إذا ما قُبض على شخص أو احتجز أو اختُطف على أيدي عناصر تابعة للدولة أو تعمل لحساب الدولة، ثم تنفي الدولة بعد ذلك أن ذلك الشخص مُحتجز لديها أولاً تُفصح عن مكانه، مما يجعله خارج إطار الحماية التي يوفرها القانون.

وآخر جرائم السلطة العسكرية في مصر كانت واقعة اختطاف الشاب أحمد مدحت، الطالب بكلية الطب، وقتله بعد 3 ساعات من اختطافه، بل ومساومة أهله على تسليم جثته مقابل الإقرار بأنه ألقى بنفسه من شقة دعارة، علماً بأنه الأول على دفعته ومن حفظة القرآن الكريم.

وقالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري الموافق 30 أغسطس/آب من كل عام، إن سوريا والعراق ومصر تتصدر قائمة الدول العربية التي تعاني من الاختفاء القسري؛ نظراً لما سمته استراتيجية بث الرعب داخل تلك المجتمعات"، وقالت المنظمة إن ظاهرة الاختفاء القسري تفشت في مصر بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، حيث تعرض أكثر من 65 ألف مواطن مصري للاعتقال بصورة تعسفية على خلفية آرائهم السياسية المعارضة للسلطات العسكرية تعرض أغلبهم للاختفاء القسري.

إن الحرب القذرة في مصر بدأت مع انقلاب العسكر في يوليو عام 1952 على يد جمال عبدالناصر ورفاقه الذين دبروا التفجيرات والاغتيالات، بحسب ما جاء في مذكرات خالد محيي الدين وعبداللطيف البغدادي؛ لتخويف الناس من الديمقراطية، ولترسيخ الاستبداد والقمع, ولكنها بلغت ذروتها بعد الانقلاب العسكري على أول رئيس مدني منتخب، في تاريخ مصر في 3 يوليو 2013، وما تلاه من مذابح وجرائم قتل فيها العسكر الآلاف من الأبرياء، ولا يزالون يمارسون القتل والتعذيب الوحشي والإخفاء القسري بحق الشعب المصري، ولم يعد القتل والإخفاء يتعلق بالمعارضين فقط، بل تخطاه لكل إنسان يمكن أن يتحدث بكلمة تخالف هوى السلطة العسكرية، ولن تنتهي هذه الحرب القذرة في مصر إلا بنهاية الحكم العسكري واستعادة الديمقراطية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.