المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شريف منصور Headshot

العسكر أعداء الديمقراطية

تم النشر: تم التحديث:

تؤكد التجربة العملية أن العسكر لا يؤمنون بالديمقراطية ولا يؤتمنون عليها أبداً، حدث ذلك في مصر والجزائر وباكستان وتركيا والأرجنتين وشيلي وسوريا ونيجيريا وغيرها، فأينما وجد العسكر لا توجد ديمقراطية والعكس صحيح..

في أميركا اللاتينية وتحديداً في شيلي انتخب الشعب الرمز اليساري البارز سلفادور ألندي في 4 سبتمبر/أيلول 1970 في انتخابات ديمقراطية نزيهة شهد بها العالم، فلم يعجب ذلك أميركا؛ لأن سلفادور ألندي انتهج سياسات اقتصادية انحاز فيها للفقراء وبدأ ينهض بالاقتصاد الشيلي، مما أثر على المصالح الأميركية، فقام عسكر شيلي بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأميركية بالانقلاب على سلفادور ألندي بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه، الذي قام بقتل ألندي بطريقة وحشية، وألغي الديمقراطية، وسجن عشرات الألوف، وقتل ألوفاً أخرى من المثقفين والشعراء والكُتاب ومن عامة الشعب..

في الأرجنتين تولي الجنرال "خورخي فيديلا" الحكم بانقلاب عسكري على الرئيسة المنتخبة "إيزابيل مارتينيز دي بيرون" عام 1976 ودمر الديمقراطية وأعلن الأحكام العرفية.. ويُعد خورخي فيديلا أحد رموز الديكتاتوريات العسكرية في أميركا الجنوبية، حَكَم الأرجنتين بالحديد والنار، وخلفت سنوات حكمه الخمس ما بين 15 إلى ثلاثين ألف قتيل، بحسب عدد من المنظمات الحقوقية، فيما سُمي "بالحرب القذرة"، وخلفه بعد ذلك بانقلاب آخر الجنرال "روبرتو فيولا" في عام 1981، قبل أن تستعيد البلاد النظام الديمقراطي عام 1983، بعد تزايد الاحتجاجات الشعبية عقب الهزيمة في حرب فوكلاند أمام بريطانيا، وبعدها تم وضع خورخي فيديلا رهن الإقامة الجبرية في منزله، ثم حُكم عليه بالسجن بعد ذلك ومات في السجن ذليلاً مقهوراً.

ولإفريقيا سجل حافل بالانقلابات العسكرية.. حيث بلغ عد الانقلابات العسكرية في إفريقيا أكثر من 80 انقلاباً شهدت نيجيريا وحدها ثمانية انقلابات عسكرية بين عامي 1966 إلى 1993، وشهدت موريتانيا ستة انقلابات عسكرية بين عامي 1978 إلى 2008، ووقعت ستة انقلابات عسكرية في أوغندة، وخمسة انقلابات في جزر القمر، وفي السودان أربعة انقلابات عسكرية، وفي دول إفريقية أخرى..

وأدت هذه الانقلابات إلى انهيار كامل على كل المستويات وتخلفت القارة الإفريقية علي يد العسكر ولم تتعافَ إفريقيا إلا بعد أن تخلصت من الحكم العسكري البغيض وبدأت طريق الديمقراطية..

وفي باكستان انتخب الشعب الباكستاني ذو الفقار علي بوتو في ديسمبر عام 1970 رئيساً للبلاد، ثم جري تعديل على الدستور في عام 1973 فأصبح رئيساً للوزراء حتى عام 1977، إلى أن قام الجنرال محمد ضياء الحق بالانقلاب عليه وإعدامه شنقاً عام 1979، وقام الجنرال برويز مشرف كذلك بتكرار نفس الأمر مع رئيس الوزراء المنتخب نواز شريف عام 1999.

في الجزائر وبعدما حققت جبهة الإنقاذ الإسلامي الفوز في انتخابات ديسمبر 1991 ويناير 1992، قام الجيش بالانقلاب على التجربة الديمقراطية التي مهد لها الرئيس الشاذلي بن جديد بعد تغيير الدستور عام 1989، ودخلت الجزائر في العشرية السوداء التي خلفت عشرات الألوف من القتلى..

في تركيا قام الجيش بخمسة انقلابات عسكرية في أعوام 1960، 1971، 1980، 1997.. وآخرها محاولة الانقلاب الفاشلة ليلة الخامس عشر من يوليو 2016 وهناك فارق كبير بين تركيا تحت حكم العسكر وتركيا الديمقراطية، تركيا تحت حكم العسكر قال عنها الاتحاد الأوروبي في تقريره عام 1998 "إنها دولة فاشلة يحكمها العسكر والفاسدون وتحتاج 150 مليار دولار لتنهض باقتصادها" وعندما تحولت تركيا لدولة ديمقراطية أصبحت سابع اقتصاد في أوروبا والاقتصاد السابع عشر على مستوى العالم والثاني على مستوى الدول الإسلامية بعد إندونيسيا..

في مصر انقلب العسكر عام 1952 على الملك فاروق، وكان من بين ما روجوا له في مبادئهم الستة "إقامة حياة ديمقراطية سليمة" فسحقوا الديمقراطية ودمروا إرادة الشعب وباعوا له الوهم ورسخوا للاستبداد والديكتاتورية، يقول خالد محي الدين أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مذكراته "إن جمال عبد الناصر كان ضد الديمقراطية علة طول الخط، وإنه هو الذي دبر الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة وفي جروبي وفي مخزن الصحافة في محطة سكة حديد مصر، وإنه اعترف لعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين أنه هو من دبر هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية؛ للإيحاء بأن الأمن سيهتز، وأن الفوضي ستعم البلاد إذا مضوا في طريق الديمقراطية، وبنفس العقلية التآمرية قام العسكر بانقلابهم المشؤوم علي الديمقراطية في 3 يوليو 2013 والإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد مرسي ومن ساعتها ومصر تتهاوى في الحضيض على كل المستويات..

بطبيعة الحال كل هذه الانقلابات العسكرية خلَّفت وراءها دماءً وأشلاءً ودماراً وفقراً وجهلاً.. وكل الشعوب التي استطاعت أن تتجاوز مراحل الانقلابات العسكرية باستعادة الديمقراطية نهضت وتقدمت، مثل البرازيل والأرجنتين وتركيا وشيلي وأسبانيا وغيرها، أما الشعوب التي ما زالت خاضعة لحكم العسكر، فإنها شعوب متخلفة متراجعة على كافة المستويات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً وصحياً وتكنولوجياً.. إلخ.

إن العسكر لا يؤمنون بالديمقراطية ولا يؤتمنون عليها، إنهم أعداء الديمقراطية وسارقو إرادة الشعوب وحاضرها ومستقبلها..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.