المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شريف منصور Headshot

العسكر وإرهاب الدولة

تم النشر: تم التحديث:

يقول (هيرمان جورنج) مارشال الرايخ الثالث، في شهادته أمام محكمة نورمبرج، التي مَثُل أمامها قادة النظام النازي في ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة هتلر وانتحاره، يقول "إن زعماء البلاد هم الذين يقررون السياسة واقتياد الشعب وراءهم، أمر بسيط دائماً، سواء أكان النظام ديمقراطياً أو ديكتاتورياً فاشياً أو ديكتاتورياً شيوعياً أو برلمانياً.. وسواء أكان للشعب صوت أم لا، فإنك تستطيع أن تطوعه حسب رغبات الزعماء، وهو أمر سهل ما عليك سوى أن تقول لهم "إنهم يتعرضون للعدوان"، وأنْ تُدِين الداعين للسلام على أنهم يفتقرون للوطنية، وأنهم يعرّضون البلاد للخطر، وهذا أسلوب صالح للاستخدام في أي بلد)..

بهذه القاعدة البسيطة التي تحدث بها هيرمان جورنج، استطاعت أميركا أن تمارس إرهاب الدولة والبلطجة على العالم بدعوى "الحرب علي الإرهاب" فدمرت أفغانستان والعراق وجعلتهما خارج التاريخ ومارست البلطجة على كل من عارض سياساتها، وكلنا يتذكر عبارة جورج بوش الابن (من ليس معنا فهو علينا).

وبفضل لعبة المصطلحات واختراع الأعداء الوهميين وعملية خلط الأوراق هذه، أصبحت إسرائيل المحتلة لأرض فلسطين هي ضحية الإرهاب الفلسطيني، وتحول من يدافعون عن أرضهم وعرضهم ومقدساتهم في وجه محتل غاشم هم الإرهابيون.. وأصبحت النظم الديكتاتورية القمعية العربية طليقة اليد في قتل المعارضين وسجنهم وتعذيبهم وإخفائهم قسرياً والانقلاب على إرادة الشعوب وسحقها بحجة "الحرب على الإرهاب".. فاختراع العدو المحتمل هو الباب الواسع لتثبيت القمع والاستبداد والديكتاتورية وإرهاب الدولة..

يقول خالد محيي الدين، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة في مذكراته (إن جمال عبد الناصر كان ضد الديمقراطية على طول الخط، وإنه هو الذي دبر الانفجارات الستة التي حدثت في الجامعة وفي جروبي وفي مخزن الصحافة في محطة سكة حديد القاهرة، وإنه اعترف لعبد اللطيف البغدادي وكمال الدين حسين أنه هو من دبر هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية للإيحاء بأن الأمن سيهتز وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية.. وإن جمال عبد الناصر هو الذي نظم إضراب العمال الشهير في مارس 1954 وإنه هو الذي أنفق عليه وموله، وذكر خالد محي الدين أن عبد الناصر قال له بالحرف "هذا الإضراب كلفني 4 آلاف جنيه".

بهذه العقلية التآمرية كان جمال عبد الناصر (العسكري) يدير شؤون مصر بالتفجيرات وتنظيم الإضرابات لتخويف الناس من الديمقراطية الوليدة..
وعلى نفس النهج سار وراءه السادات ومبارك، إلى أن قام عبد الفتاح السيسي والعسكر بانقلابهم علي التجربة الديمقراطية الوليدة في 3 يوليو 2013 بنفس العقلية التآمرية.

فبعد الانقلاب العسكري مباشرة طلب عبد الفتاح السيسي من الشعب أن ينزل في مظاهرات ليفوضه في الحرب على "الإرهاب المحتمل" انظر إلى كلمة "المحتمل".. فارتكب السيسي والعسكر أبشع جرائم الإبادة في تاريخ مصر الحديث في رابعة والنهضة وغيرهما، وما زال تحت لافتة "الإرهاب المحتمل".

وقام السيسي والعسكر بممارسة أبشع أنواع القتل والتدمير والإبادة في سيناء بدعوى الحرب على الإرهاب واعتقل عشرات الآلاف من المصريين وعذبهم بأبشع الطرق ولفق لهم كل التهم بدعوى الحرب على الإرهاب، وأخفى المئات قسرياً وقتلهم في الشوارع والبيوت أمام أبنائهم وزوجاتهم بلا رحمة بدعوى الحرب على الإرهاب، وأصدر قضاؤه المسيس المئات من أحكام الإعدام والمؤبد والمشدد على الخصوم السياسيين بدعوى الحرب على الإرهاب، وأحال المئات إلى القضاء العسكري بدعوى الحرب على الإرهاب، واعتقل أكثر من 100 صحفي بحسب تقارير حقوقية، وأغلق كل وسائل الإعلام المناهضة له، واقتحم أمنه نقابة الصحفيين لأول مرة في تاريخها بدعوى الحرب على الإرهاب والفكر المتطرف واقتحم المساجد ودنسها وأحرقها وأغلقها بدعوى الحرب على الإرهاب، وأصدر العشرات من القوانين سيئة السمعة المقيدة لكل أنواع الحريات بدعوى الحرب علي الإرهاب وأغلق مئات المستشفيات والمستوصفات والجمعيات الخيرية التي تقدم الخدمات المجانية لملايين الفقراء والمحتاجين بدعوى الحرب على الإرهاب، وصادر أموال الشرفاء وممتلكاتهم وألصق تهمة الإرهاب بكل الكيانات والجماعات والتيارات التي عارضته بدعوى الحرب على الإرهاب، بينما برأ قضاؤه كل الفاسدين والقتلة والمجرمين..

وما زالت البلاد تنتقل من تفجيرات هنا إلى حرائق هناك في ظل انهيار غير مسبوق في كل المجالات.. سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً، حتى أصبحت في ذيل الأمم وربما تخرج من التاريخ وما زال هو ونظامه العسكري يمارسون إرهاب الدولة على الشعب في ظل حماية دولية وإقليمية ويرددون شعارات الحرب على الإرهاب الذي اخترعه هو والعسكر بسياسات القتل والتعذيب والتهجير وتقييد الحريات وبث الرعب في نفوس الشعب وممارسة إرهاب الدولة في أبشع صوره من أجل هدف واحد، وهو البقاء على كرسي الحكم وليظل العسكر يحكمون ويتحكمون في مقدرات البلاد والعباد ولو على أشلاء وجثث هذا الشعب وتدمير حاضره ومستقبله..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.