المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شمسان عبدالله  Headshot

كم "شمعدان" في حياتك؟

تم النشر: تم التحديث:

في هذه القصة الرائعة والبسيطة التي كتبها أديب القصة القصيرة أنطون تشيكوف الذي توفي عام 1904م، جسد خلالها حقيقة اختبار الإنسان لذاته ومدى تقبله لكل ما حوله.

وخلاصة هذه القصة التي تحمل مغزى كبيراً وعميقاً في ذات الإنسان أنه كان هناك ابن وحيد لأرملة تعيش حياة بسيطة، مرض بالتيفويد وكاد يهلك فاستنجدت والدته بأحد الأطباء المشهورين في المنطقة، ولأنها لا تستطيع دفع أجر كبير لهذا الطبيب من أجل أن ينتقل معها لمنزلها المتواضع، كان واضحاً عليها مدى حزنها ولهفتها على حياة وليدها، فأحس الطبيب بمعاناتها فذهب معها وقام بواجبه وكتب له الدواء واستمر في متابعة صحته كل مساء يزوره ويكتب له الأدوية المناسبة حتى تماثل للشفاء وزاح الهم والقلق عن هذه الأرملة المسكينة.

لم تنسَ الأم هذا الجميل الذي فعله الطبيب معها فأرادت أن تعبر عن امتنانها له، وبما أنها تقتات من بيع التحف القديمة، وتعمد إلى شراء الشمعدانات والتماثيل البرونزية فتنظفها وتلمعها وتعرضها للبيع بثمن زهيد، اختارت لهذا الطبيب "شمعدان" برونزياً تحتفظ به منذ زمن ولم ترض نفسها أن تبيعه لقيمته الثمينة وأعطته لابنها وطلبت منه إهداءه لهذا الطبيب نظير ما فعله معها.

أخرج الطبيب هذه التحفة بعناية من لفافتها، وتأمل شكلها الذي هو عبارة عن شمعدان يحمله تمثالان فاضحان لامرأتين عاريتين تماماً، فاحتار ماذا يقول لهذا الابن: إنها تحفة رائعة وقيمة، لكن لا أستطيع أن أضعها في منزلي فأنا لدي أولاد وزوجة وأصدقاء محترمون يستحيل أن أضع مثل هذا الشمعدان أمامهم! فرد عليه الابن باستنكار: أهذه هي نظرتك للفن يا دكتور، فإن كان العامة سيقولون نفس كلامك هذا فكيف لشخص مثقف مثلك أن يقول ذلك؟ وكيف سأقول لأمي ذلك فقد ينفطر قلبها وهي التي اختارت لك هذا الشمعدان القيم، وكانت تتمنى أن يكون هناك شمعدان آخر شبيهة من أجل أن يكتمل رونق وجمال المنظر في غرفتك.

بعد إحراج شديد قبل الطبيب هذه الهدية، واحتار أين سيضعها، فهي تحفة فنية رائعة ولا يستطيع الاحتفاظ بها، ولن يطيب خاطره لو ألقى بها في الشارع، فتذكر صديقه المحامي الذي وقف معه في قضية، ورفض أن يأخذ عليها أتعاب محاماة بسبب الصداقة الحميمة بينهما، ووجد أن هذا الشمعدان أفضل هدية يقدمها لهذا المحامي للتعبير عن امتنانه له بما فعله معه.

لم يتمكن المحامي من الاعتذار عن قبول هذه الهدية فقد أحرجه كرم صديقه الطبيب معه، ولكنه قال له: أنا لا أستطيع وضع مثل هذا الشمعدان في مكتبي؛ لأنه مكتب محترم ويرتاده الكثير من الشخصيات المحترمة، ولا أريد تدنيسه بهذا التمثال الفاضح! فاندهش الطبيب لرد المحامي، وقال له: أهذه نظرتك للفن؟ فإن كان العامة سيقولون نفس كلامك هذا فكيف لشخص مثقف مثلك أن يقول ذلك؟

وقبل المحامي الهدية على مضض، وفي مكتبه جلس يتأملها ويتأمل الإبداع الفني فيها، وهان عليه أن يلقيها في الشارع، فاحتار أين يضعها فخطرت في باله فكرة أن يقوم بإهدائها لصديقه الممثل الكوميدي المشهور، وأطمئن لتلك الفكرة كون أن صديقه الممثل هذا سيقبل بها؛ لأنه يسعد بمثل هذه الأشياء الفاضحة!

توجه المحامي نحو المسرح، وهناك استغل الوقت قبل بدء المسرحية بالعرض، وأهدى الشمعدان لصديقه الممثل، وانبهر زملاء الممثل بتلك الهدية، وساد الضجيج والضحك على شكلها الفاضح! وانصرف المحامي سعيداً، وبعد أن أتم الممثل مسرحيته جلس في غرفة تبديل الملابس يتأمل الهدية بانبهار تام، حينها قال لإخصائي المكياج: إنها تحفة رائعة وسعدت بها كثيراً، لكن لا أستطيع عرضها في منزلي، فأنا أستقبل زملاء وزواراً محترمين، فماذا عساهم أن يقولوا عني غير أنني شخص داعر، وهذا لا أرضاه لنفسي، ولا أستطيع أن أرمي هذه التحفة الفنية في الشارع، فلن ترتاح نفسي لذلك.

عندها اقترح عليه إخصائي المكياج أن يبيعها لسيدة قريبة من هذا المكان تتاجر وتبيع في التحف العتيقة، وسوف تشتريه منه بسعر مناسب، فشعر الممثل بالسرور لهذه الفكرة واستحسنها.

بعد مرور يومين زار ابن الأرملة عيادة طبيبه الذي عالجه ودخل عليه وسلمه لفافة، وهو في غاية السرور، وقال له: لقد ساقت الأقدار لوالدتي "شمعدان" بنفس مواصفات وشكل الشمعدان الذي أهديناه لك سابقاً، فاشترته من أجل أن تقدمه لك ويكتمل رونق وجمال المنظر في غرفتك باكتمال طقم الشمعدان.. فهي لن تنسى لك ما فعلته بي وأنقذتني من موت محقق، فانذهل الطبيب وهو يرى الشمعدان الفاضح الذي تخلص منه قبل يومين يعود إليه مرة أخرى.

هنا انتهت القصة، ولكن لم ينتهِ مغزى القصة، وهي الحقيقة التي لامست مشاعرنا وعواطفنا، فكم من أشياء أو أشخاص ننبهر ونعجب بهم ونعتبرهم قطعة أثرية نادرة مثل (الشمعدان البرونزي)، ولكن لا نستطيع الاحتفاظ بهم أو الإفصاح عن حبنا لهم أمام (المقربين أو الأصدقاء)، وفي نفس الوقت لا نستطيع التخلص منهم؛ لأن ضمائرنا لن ترتاح لذلك، فنحتال عليها ونفر منها بطريقة أو بأخرى، ولكن مهما حاولنا فإنها ستعود لنا، إنها الحقيقة حتى وإن أنكرنا ذلك!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.