المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شمس الدين النقاز Headshot

لأسباب عديدة لن ينتهي داعش حتى لو هزم في سوريا والعراق

تم النشر: تم التحديث:

لأسباب عديدة لن تنتهي "الدولة الإسلامية" وتتبدّد حتّى وإن هزمت في سوريا والعراق

عندما يعترف فرانسوا هولاند، رئيس دولة عظمى مثل فرنسا، بأن بلاده في حالة حرب حقيقية ضد تنظيم الدولة الإسلامية فإن اعترافه لم يأتِ من فراغ بل من المؤكد أنه أُرغم على البوح لشعبه بهذه الحقيقة بعد أن تعرضت العاصمة الفرنسية باريس إلى أكبر هجوم إرهابيّ في تاريخها الحديث وتحديداً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وعندما تجمع وسائل الإعلام الأجنبية بمختلف لغاتها على أن تنظيم الدولة قد بدأ فعلاً بنقل معركته إلى داخل الدّول المتحالفة ضدّه في كل من العراق وسوريا فهذا يعني أنّنا أمام مرحلة جديدة من الصراع خرجت من حيّز الحدود العراقية السورية إلى وسط المدن الأوروبية بدرجة أولى.

كثيرة هي الأسباب التي دفعت شباباً في مقتبل العمر لأن يقوموا بهجمات دموية ضد أهداف مدنية في فرنسا، ففي مقال كتبه الصحفي عبدالباري عطوان إثر عودته من العاصمة البلجيكية بروكسل وتحديداً من حي "مولنبيك" الشعبي الذي خرج منه أعضاء خلية هجمات فرنسا، يصف الكاتب الظروف الأمنية الصعبة التي يعيشها شباب هذا الحي الذين ندّدوا بالهجمات ولكنّهم في المقابل لم يخفوا انزعاجهم من عملية التشويه الأخلاقي لأفراد الخلية أثناء تغطية وسائل الإعلام البلجيكية والفرنسية للحادثة، خاصة تلك التي تتعلق بالبحث في ماضيهم قبل أن يهتدوا، حسب قولهم.

بعض وسائل الإعلام الفرنسية والبلجيكية لم تدّخر جهدا في مهاجمة الجالية المسلمة في البلدين، بل وصل الأمر إلى وصف المسلمين بأبشع الأوصاف والنعوت التي تزيد عمليّة الاحتقان الكبير داخل الجالية المسلمة في هاتين الدولتين وخاصة في أوساط الجيلين الثاني والثالث منهم على عكس الجيل الأول، وهنا يقول عطوان ناقلاً ما شاهده في حي مولنبيك: "ونسبة المتبرئين من نهجهم وهجماتهم هم الأكثر، خاصة من جيل المهاجرين الأول، الكبار في السن، ولكن هذا ليس هو الحال مع أبناء الجيلين الثاني والثالث، الذين غالباً ما يستخدمون كلمة (ولكن) بعد إدانة هذه الهجمات، ويقدم بعضهم مطالعة طويلة عن مظالم واقعة عليهم، أو على بلدان العالم الإسلامي".

أصبحت بعض الدول الأوروبية جحيماً لبعض المسلمين اثر كل هجمة ارهابية أينما كانت ولو خارج هذه الدول، وأضحى المسلمون في كثير من المناطق مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة خاصة في الأحياء الشعبية الفقيرة في فرنسا وبلجيكا وغيرها من الدول بسبب القبضة الأمنية والرقابة الاستخبارية التي وصلت إلى ذروتها عقب ظهور "الدولة الإسلامية" والتي أصبحت ملاذ هؤلاء وحاضنتهم في سوريا والعراق بسبب إحساسهم بالتمييز والظلم داخل بلدانهم حسب تعبيرهم، وقد دفع هذا الظلم الخلايا النائمة لتنظيم الدولة داخل هذه الأحياء الشعبية إلى ممارسة حملات تجنيد سرّيّة بهدف تسفير هؤلاء الشباب إلى مناطق الاشتباك المباشر أو تحضيرهم ليكونوا ذئاباً منفردة داخل دولهم للقيام بهجمات بأقل التكاليف وتوقع خسائر كبيرة.

لقد استطاع تنظيم الدولة الإسلامية أن يدخل إلى العمق الفرنسي ضارباً بذلك القبلة السياحية الأولى في العالم "باريس" في اختراق استخباراتي من الدرجة الأولى، منفذاً بذلك وعيده المتكرر للحكومة الفرنسية بأنّ "جنود الخلافة" سيستهدفون فرنسا في عقر دارها ناقلين بذلك المعركة من الحدود السورية العراقية إلى داخل فرنسا في مرحلة أولى بأقل التكاليف.

لقد ذكرت وكالة رويترز للأنباء يوم الجمعة 20 نوفمبر الجاري أن الهجمات التي نفذها المتشددون في باريس الأسبوع الماضي وأودت بحياة زهاء 130 شخصاً ودفعت إلى شن موجات من الغارات الجوية على سوريا وإطلاق تحذيرات أمنية في أنحاء العالم من المحتمل أن تكلفتها كانت ضئيلة بلغت نحو سبعة آلاف يورو (7500 دولار) في حين أعلنت فرنسا وبلجيكا عن تدابير أمن إضافية تتكلف مليار يورو نتيجة لتلك العمليات.

كانت هذه الهجمات التي لم تستلزم أكثر من بنادق كلاشينكوف وذخيرة وأحزمة ناسفة بدائية الصنع وسيارات وشقق سكنية مستأجرة تذكرة بأنه بثمن قليل يمكن تنفيذ أعمال قتل عشوائي وبث الخوف والفوضى في تطور جديد لم يسبق له مثيل في تاريخ الجماعات الجهادية التي لم تستهدف فرنسا بهجوم مماثل على غرار تفجيرات لندن ومدريد والتي من المؤكد أنها كلفت خزينة تنظيم القاعدة أكثر بكثير من 7500 دولار، بل إنّ هجمات باريس كانت أقل كلفة من هجمات 11 من سبتمبر/أيلول 2001 على واشنطن ونيويورك والتي بلغت تكلفتها وفقاً للجنة التحقيق المستقلة في تلك الأحداث ما بين 400 ألف و500 ألف دولار، وهو مبلغ يشمل تدريب الطيران للخاطفين والرحلات الجوية ومصاريف المعيشة خلال فترة التدريب والتحضير.

إن العالم اليوم يختلف كثيراً عن عالم الأمس ولعل دوس الديمقراطية عقب الهجمات الإرهابية في الدول التي تفتخر بنموذجها الديمقراطي دليل صريح وكافٍ على أن الماضي يختلف عن الحاضر، كما أنّ تصريحات المسؤولين الأمريكيين في أكثر من مناسبة عن أن الحرب ضد تنظيم الدولة ليست سوى حرب طويلة الأمد وحرب أجيال يمكنها أن تمتد إلى داخل دول التحالف الدولي في المستقبل لم تكن مجرد تصريحات استهلاكية من دهاة ومهندسي السياسة العالمية.

عند سؤال الخبراء الأمنيين والعسكريين والخبراء في الجماعات الجهادية عن طبيعة الحرب الجديدة بعد أن أعلن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبوبكر البغدادي إقامة الخلافة وكسر الحدود يجيبون بكل ثقة في النفس: "إن الحرب الكونية ضد تنظيم الدولة اليوم هي حرب متوازنة ولا متوازية"، مستشهدين على هذا الطرح بقاعدة مهمة في الحرب اللّامتوازية مفادها أن الضربة الأولى يجب أن تكون جاهزة وفي نفس الوقت يكون الإعداد للتالية مستمراً، والثانية يجب أن تكون أقوى وأضر من الأولى حتماً، وإلا ضاع النصيب من مبدأ الانتصار فكل ضربة يجب أن تكون أفتك من التي سبقتها.

ففي أقل من أسبوعين زار مقاتلو التنظيم 3 قارّات و3 دول وقتلوا وجرحوا المئات، وهذه القارات على التوالي هي: أفريقيا وآسيا وأوروبا، وذلك بإسقاط طائرة ركاب روسية في محافظة سيناء المصرية ومقتل أكثر من 200 سائح روسي، ثم تفجيرات انتحارية داخل لبنان في الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله، ثم هجمات متزامنة في فرنسا وتحديداً 6 أهداف في العاصمة باريس.

لقد انتقلت "الدولة الإسلامية" لمرحلة هجوم العدو البعيد وترتكز هذه المرحلة أساساً على استهداف كل جامد ومتحرك لدول التحالف التي تقاتله في سوريا والعراق ولا تفريق بين مدنيّ وعسكريّ في هذه المرحلة لأنهم كلهم مشاركون في الحرب عليها حسب ما يصرح به مسؤولوها وأمراؤها ومنظّروها، وهو ما دفع الساسة الغربيين إلى التأكيد على أنه يجب شن حرب جوية شاملة ضد تنظيم الدولة قبل ان تنقل حرب العصابات لأوروبا، بل وصل الأمر ببعضهم إلى وصف ما بنته ونفذته القاعدة في عقدٍ قامت به "الدولة الإسلامية" في أشهر معدودة.

إن الإجماع قد انعقد في أوساط النخب السياسية والخبراء في الدول الغربية على أن مسلحي تنظيم الدولة يخططون لحرب عصابات في أوروبا بل ذهب مسؤول سابق في المخابرات البريطانية إلى ما هو أبعد من ذلك قائلاً: إن القنابل بالتأكيد لن تغلب "الدولة الإسلامية" لأن محاربتها صراع أجيال، ما يعني أن هزيمة تنظيم الدولة في سوريا والعراق لا يعني بالضرورة اندثاره واختفاءه وتدميره بل ستبقى خلاياه النائمة ناشطة في كل أنحاء العالم منتظرة فرصة الهجوم.

في الأخير لا يمكننا أن نفوت الفرصة وأن لا نوجه عزاءنا لكل المضطهدين في العالم في إفريقيا وآسيا وأوروبا، وعلى رأسهم الفلسطينيون، ونقول لهم أنتم لا تساوون جناح بعوضة عن النظام الدولي وهيئاته الأممية لأنه عجز طيلة عقود من الزمان أن يخرج بقرار ينصركم ويعيد لكم حقوقكم، ولكن في المقابل لم يدخر جهدا في نصرة الدول الحاكمة فعلياً في العالم وكان آخرها موافقة مجلس الأمن بالإجماع على القرار الفرنسي الذي اقترحته في مجلس الأمن بعد أيام من الهجمات الإرهابية التي استهدفتها، وما كان من الأمم المتحدة إلا أن تلبي النداء مسرعة، داعية الدول إلى محاربة الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.