المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شامل محمد حلمي  Headshot

التاريخ الإسلامي بين الحقيقة والتزييف

تم النشر: تم التحديث:

تعرض تاريخ المسلمين عبر عصوره المختلفة إلى التزييف والتزوير والعبث على أيدي مَن كان لهم مشارب شتى وأهواء مختلفة، فقد تم تشويه تاريخ الأمويين والعباسيين والمماليك والعثمانيين وحتى تاريخ صدر الإسلام لم ينجُ منهم.

فتراهم يشوهون صورة الإسلام وتاريخ المسلمين، فينسبون إليهم ما ليس فيهم، ويستخرجون من بين دفتَي التاريخ ما يسيء إلى المسلمين، ويطعن في ماضيهم المشرق.

فيستلّون من كتب السير والأخبار والتراجم والآثار ما ليس بحق من الروايات الضعيفة، والقصص المختلقة، والمواقف الملفّقة، والأقوال المكذوبة، والأحداث المغلوطة، ما يشين ولا يزين، ويسيء ولا يضيء.

قد عميت عيونهم عن الأخبار العظيمة والمواقف الكريمة من تاريخنا العظيم، وجعل يستلُّ بقلمه الرديء من صفحات التاريخ ما يُسقط القمم، ويقدح في القدوات، ويطعن في البطولات.

لنقف قليلاً كي نعرف مَن هم الذين كان لهم الدور الأكبر في تشويه وتزييف التاريخ الإسلامي:

1 - مؤلفون قدامى كتبوا التاريخ وصنفوا الكتب إرضاء للحاكم والسلطان أو الحزب السياسي أو المذهب أو الدولة وقد ركز هؤلاء على رموز الحكم دون أبناء الأمة من مختلف الطوائف.

2 - مستشرقون أو مبشرون: تخصصوا في الطعن في تاريخنا وتجريح قادتنا في مختلف الميادين.
3 - مؤرخون طائفيون من أمثال: جورجي زيدان وفيليب حتى، حيث اتهموا اتهاماً كبيراً في تزوير تاريخنا.
4 - الروايات الشيعيَّة الملفقة والموجودة في بعض كتب التاريخ، كتلك الروايات التي نقلها الطبري عن أبي مخنف ذلك الشيعي الكذَّاب، وغيرها الكثير.

5 - مؤرخون معاصرون من بني قومنا غافلون حاقدون وجهلة وجدوا بين أيديهم كتباً مصنفة وضعها خصوم الأمة ومن هنا لا بد من تمحيص التاريخ وتنقية صفحاته مما يشوبها من اتهامات باطلة أو تزوير مقيت مع وضع مقاييس للرجال الذين كتبوه ويكتبونه.

لنذهب إلى البداية؛ حيث تم تشويه العلاقة بين آل البيت وخاصة الإمام علي كرم الله وجهه، وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هناك كثير من الروايات التي تشوه العلاقة بين آل البيت والأصحاب، فلم تسلم هذه الروايات من الاختلاق تارةً، والتحريف تارةً أخرى؛ لترسم لقارئها صورة قاتمة لهذه العلاقة مبنية على العداء والتوتر الدائم حسب هذه الروايات المشوهة، في الوقت الذي كانت فيه العلاقة بين آل البيت والأصحاب تأخذ مجراها الطبيعي بما ميَّز هذه العلاقة من الود والمحبة والإخاء والصفاء.

وبعد ذلك تم تشويه تاريخ بني أمية العظماء عن عمد، وإظهار كل نقيصة بهم رغم أن الإسلام انتشر في عهدهم من الصين إلى الهند وفرنسا، وتم فتح الأندلس على أيديهم.

والأكثر من ذلك أن يذهب بعض هؤلاء (المؤرخين) إلى الاعتداء على خلفاء تلك الدولة بالتشريح والتجريح لمواقفهم وأفعالهم تجاه الأمة الإسلامية، كمعاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان.. وغيرهم، ثم يقفون عند عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- ويعدونه النقطة الوحيدة المضيئة في تلك البقعة الزمنية المظلمة، ناسين أو جاهلين أدوار الخلفاء الآخرين في نشر الإسلام، وإعلاء كلمته في أنحاء الدنيا.

بل إن فتح الأندلس نفسه لم يخلُ من التزييف والتلفيق على أيدي المستشرقين الذين ادعوا أن طارق بن زياد رحمه الله قال لجنوده: البحر من أمامكم والعدو من خلفكم فأين المفر! وهو ما ثبت بالدليل القاطع وبمختلف الروايات والأسانيد التاريخية كذبه فلم يقل طارق بن زياد هذا وإنما هو ادعاء من المستشرقين كي يبرروا المعجزة التي حدثت بانتصار الجيش الإسلامي القليل في العدد والعتاد على جيش القوط الذي كان يفوقهم بكثير.

ثم حدث تشويه لتاريخ خلفاء بني العباس، وخاصة الخليفة هارون الرشيد؛ حيث زيف البرامكة تاريخه وادَّعوا عنه أنه كان مغرماً بالنساء ولا يفارق الجواري وصوَّروه على هيئة خليفة لاهٍ عابث، وهو ما يخالف الحقيقة بالطبع، فقد كان الرشيد من أقوى وأتقى الخلفاء الذين عرفهم تاريخ الإسلام وكان يحج عاماً ويغزو عاماً.

ثم جاء الدور على صلاح الدين الأيوبي الذي لم ينسَ الشيعة له أنه أزال دولتهم فقاموا بتشويهه، وللأسف الشديد سايرهم بعض المعاصرين في هذا، وادَّعوا على صلاح الدين أنه مستبد وظالم وقاتل، وهو ما ينافي أية حقيقة، فقد كان صلاح الدين بشهادة الأوروبيين أنفسهم من أنقى وأعظم الشخصيات التاريخية.

أما دولة المماليك فقد تم تصوير سلاطينها على أنهم طغاة مستبدون سافكو دماء، ونسوا أن سلاطين المماليك كان لهم الدور الأكبر في القضاء على المغول وطرد الصليبيين من الشرق.

فلما وصلنا للحقبة العثمانية التي تشرفت بفتح القسطنطينية وإدخال الإسلام لربوع أوروبا وسهولها ودخل الأوربيون في دين الله أفواجاً، غاظ ذلك النصر الحاقدين من صليبيي أوروبا وباباوات روما، فشن الكتّاب الأوربيون حرباً شعواء على تاريخ العثمانيين، وسجلوا على خلفائهم كل نقيصة وسلبية، ولم يتركوا عيباً ولا شراً إلا ألصقوه بهم حتى تأثر السذج من المسلمين بهذا الكلام، وأدخل الصليبيون في أذهاننا أن الحكم العثماني كان استعماراً للعرب، وأنهم محتلون للشرق الأوسط ناهبون لخيراته، وصدق المغفلون هذا الكلام واجتهد الصليبيون في تشويه سيرة خلفاء العثمانيين خصوصاً، للحض من مكانتهم كخلفاء لكل المسلمين.

إن التاريخ العثماني قد نال حظه الأوفر من التشويه على يد الأوروبيين الذين يحملون قدراً مهولاً من الحقد والعداء للدولة العثمانية التي أذاقت أوروبا والأوربيين طعم الهزيمة والذل والانكسار لقرون، مما جعل الأوروبيين يجتهدون أيما اجتهاد من أجل تشويه تاريخ الدولة العثمانية، وسجلوا عن العثمانيين كل سلبية، جالت بها أقلامهم، وحلقت بها أفكارهم، وتجاهلوا كل إيجابية، ونظروا إلى تاريخ العثمانيين بعين البغض التي تبدي المساوئ وتبعد عن الإنصاف.

(من مقالي: لماذا يتم دائماً تشويه الدولة العثمانية؟).

يقول الدكتور عبد العظيم الديب: لماذا تاريخ الإسلام وحده هو الذي درسناه مشوهاً ممزقاً؟ لماذا تاريخ الإسلام وحده هو الذي صفعناه، وجلدناه، وسحلناه؟ لماذا تاريخ الإسلام وحده هو الذي يُعقِب نفوراً وازدراء وبغضاً في نفس دارسيه؟

وإن كنت في شك من هذا فاختبر نفسك، واختبر مَن حولك، حاول أن تذكر كلمة (التاريخ الإسلامي)، وانظر إلى ما تثيره في النفوس، وارقب ما يسميه علماء النفس (تداعي المعاني)، أية معانٍ ستتوارد على الخواطر! وأية صور ستحضر في الأذهان! وأية مشاعر ستتحرك في الوجدان؟!

إن أقل ما ستتحرك به النفوس هو التحفّز للنقد، والمحاسبة، والمناقشة، وإحصاء الأخطاء، وسيصل الأمر بالبعض إلى الازدراء والاحتقار، والبغض، ولقد عم ذلك وطمّ، لم يسلم منه أحد حتى علماء الأمة، ودعاة الإسلام إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

وختاماً.. إن التاريخ الإسلامي ليس مجرد أقاصيص تحكى وروايات تاريخية تروى للتسلية، ولا مجرد تسجيل للوقائع والأحداث وعرضها دون تمحيص وتدقيق، ومن ثم تكون أثراً بعد عينٍ، وخيالاً بعد واقع، إنما يدرس التاريخ للعبرة والعظة وتربية الأجيال وتقويم اعوجاجات الأمة وتنويرها والدفع بها إلى الأمام، من خلال الوقوف على ركائز تاريخية متينة بعيداً عن التلفيق والتزوير.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.