المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شامة درشول Headshot

رحلتي في القطار.. من واشنطن إلى مونتريال

تم النشر: تم التحديث:

في الثانية صباحًا، خرجت وصديقتي نجر حقائبنا، كان سائق التاكسي ينتظر ليقلنا الى حيث محطة واشنطن للقطار، كانت المحطة تغرق في صمت القبور، قلت لصديقتي إن محطة القطار في مراكش والرباط ببلدي أكثر حداثة من هذه. في أمريكا، أن تستعمل القطار في تنقلك بين ولاياتها ليس بالأمر المعتاد، أن تستعمله في تنقلك من أمريكاإالى كندا هو ضرب من الجنون.. ولذلك اخترت أن نسافر عبر القطار.

16 ساعة كانت تنتظرنا أن نقطعها من واشنطن إلى مونتريال، جلسنا في مقاعد المحطة ننتظر أحدًا يخبرنا عن موعد وصول القطار، بدأ القلق يدب فينا وموعده المفترض يقترب، لم يكن أحد موجود، وشاشة المعلومات معطلة، كان رجال الأمن يتراكضون بين جنبات المحطة لفك نزاع بين مشردين استنجدوا بدفء المكان، فجأة دبت الحياة في المحطة، وقدم رجل في بذلة رسمية يخبر المتوجهين إلى نيويورك، ومونتريال بالصعود إلى القطار.

في العربة كان مكان "ممنوع فيه الكلام"، تخلينا عنه أنا وصديقتي وذهبنا إلى مكان آخر مباح فيه الكلام، الكراسي كانت واسعة، كل واحد من المسافرين استولى على كرسي لنفسه، انتبهت انه في مترو واشنطن قليلًا ما تجد شخصين يجلسان في مقعدين متجاورين إلا إذا كانا يتعارفان، إنها المسافة "distance" التي يتربى عليها الأمريكي منذ صغره. استسلمت صديقتي للنوم، وبقيت يقظة أدون رحلتي على فيسبوك، لم أعتد النوم في القطار أو في المطار حتى حين يكون الليل سيد السماء.

ثلاث ساعات ونصف مرت من واشنطن إلى نيويورك، جدران في جدران، لم يكن شيء يغري بالنظر من النافذة. وصل القطار إلى نيويورك، نزلنا لننتظر في المحطة ساعة نمر خلالها من الجمارك الكندية البرية، وننتظر قدوم القطار الذي سيسير بنا ل11 ساعة إلى حيث مونتريال.

كانت المحطة ملأى بمختلف أشكال البشر، ذهبت لاشتري مشروبًا، استأذن البائع في سؤالي، فأذنت له، قال لي: "هل أنت من الهند؟"، في أمريكا، كما كندا اعتادوا أن يتحدثوا إلي بالإسبانية اعتقادًا أني لاتينية، لكن أن أُنسب إلى الهند، كانت أول مرة، ابتسمت وأخبرته أني مغربية، وأخبرني أني أشبه فتيات جنوب الهند، ببشرتي البيضاء وشعري المائل بين السواد والحمرة.

ركبنا القطار، واستولينا مرة أخرى على مقاعده الواسعة، لم تكن العربات ممتلئة كما كانت وهي في طريقها إلى نيويورك، وهذه المرة كان هناك الكثير من المناظر الجميلة التي تستحق أن أحدق فيها من نافذة القطار، لكني فضلت أن أتأمل وجوه المسافرين، هؤلاء الذين سأقضي معهم 11 ساعة. امرأة تمسك صوفًا بين أصابعها، وصديقتها تمسك بخيوطه حتى تلفه، شاب يشاطر الأكل مع شابة بدت من ابتسامتها أنها حبيبته، أطفال يلعبون، وآخرون فضلوا السفر عبر كتبهم، وجوه أمريكية لم أكن لأراها وأنا في سبرنغفيلد الخاوية بفرجينيا ولاية العشاق والرؤساء.

توقف القطار بعد حوالي تسع ساعات، وتوقف معه إنترنت القطار، صعدت وجوه بيضاء عابسة ترتدي بذل شرطة، كان رجال الجمارك الكنديين على البر أكثر صرامة من أولئك الذين كنت ألتقي بهم في المطار وأنا مسافرة جوًّا، سألنا أسئلة روتينية، ولم يفتش حقائبنا، في حين كان نصيب أحد المسافرات من الأمريكان السود النزول بحقائبهن من القطار من أجل تفتيشها، فكندا تعاني من تهريب الكثير من الأشياء إلى أراضيها بدون ضرائب. استغللت انشغال الشرطة مع المسافرات الأمريكيات، أخذت موبايلي وطلبت من صديقتي أن تصورني فيديو وأنا أنقل للمغاربة والجزائريين رسالة من على الحدود الكندية الأمريكية والتي لا يفصلها سوى خط، وطلبت منهم أن يفتحوا الحدود بين الشعبين.
غادر رجال الشرطة القطار، وأكمل القطار مسيرته، وأعلن السائق أنه سيتم التوقف عن تقديم المشروبات الكحولية لأننا "دخلنا الحدود الكندية والقطار أمريكي"، وصلنا أخيرًا بعد رحلة بدأت الثانية صباحًا وانتهت السابعة مساءً، وجدت صديقي الجزائري ينتظرني وصديقتي، قضينا برفقته ورفقة زوجته وابنيه يومًا، قبل أن ننتقل لقضاء يومين في ضيافة صديقين مغربيين، خمسة أيام هي ما كنا نملك من أيام عطل نهرب فيها من قهر العمل على الطريقة الأمريكية. في مونتريال اكتشفت الفرق بين واشنطن الوحش ومونتريال الرقيقة، لكني اكتشفت أيضًا أني نسيت بالقطار حاسوبي المحمول، حاولت ألا أحزن على ما فقدته حتى أستمتع بعطلتي، لكني سعدت وأنا أتوصل على هاتفي بإيميل من عامل المفقودات بمحطة مونتريال يخبرني أن حاسوبي في الحفظ والصون، ويقول لي أن أطمئن، يا لها من كلمة جميلة، تذكرت يوم نسيت حاسوبي بقطار مراكش وكيف تمادى موظف المفقودات في تأنيبي.

انتهت أيامي الكندية القصيرة، وعدنا أدراجنا، بدأت اللف في المكان، فذهبت إلى مقصف القطار، جلست أكتب، حين سمعت صوتًا يتحدث إلي بلكنة أمريكية، رفعت رأسي فوجدت عجوزًا نحيفًا، كان يستأذن أن يجلس بالمقعد المقابل لي، جلس وأكملت ما كنت أكتبه، لأجده يقول لي:

"هل يمكن أن آخذ منك بعض الوقت؟"
طبعًا أكيد
أريد أن أشاطرك ما أفكر فيه
تفضل
أنا أبلغ من العمر 75 سنة وأشعر بسعادة كبيرة أني أخيرًا حققت حلمي في أن أقطع أمريكا إلى كندا بالقطار، انظري إلى هذا النهر الجميل، انظري إلى هذه الأشجار، كم هو رائع هذا الجمال، ما كنت لأقبل أن أرحل قبل أن أراه، وقبل أن أحقق حلمي بالسفر عبر القطار إلى كندا.
ابتسمت له، أردت أن أقول له شكرًا، شكرًا لأنك جعلتني أفتخر بنفسي، أفتخر أني حققت رغبتي في أن أسافر من واشنطن إلى مونتريال عبر القطار، أن أطالع وجوه الأمريكيين والكنديين وهم يقضون وقتهم الطويل بين مقاعد القطار بعيدًا عن ضغوطات الحياة، أن أستمتع بنسج الحكايات عنهم، أن أشرك أصدقائي بما شاهدته، أحسسته، لمسته، وعشته..

سفري من واشنطن إلى مونتريال عبر القطار لم يكن مجرد سفر، بل كان حلمي الأمريكي الخاص الذي حققته وما زلت أبتسم وأنا أتذكره، وما زلت أذكر أني في نهايته قلت إن حلمي الأمريكي القادم أن أجوب ولايات أمريكا كلها.. عبر القطار.