المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شامة درشول Headshot

أربع نساء في واشنطن

تم النشر: تم التحديث:

أخبرتهن أني أشتاق للبحر، وأني لا أتحمل العيش في مدينة لا بحر فيها، وأني من نساء برج الحوت، وأن الحوت يعيش في الماء، وأني أخاف من الماء، ولا أجيد السباحة، ومع ذلك حين أمرض أشعر بحاجتي لسماع صوت الماء يطرب أذني فيصل إلى قلبي، ويشفى.

كنا أربع نساء، جئنا من بلدان مختلفة، نؤمن بأفكار مختلفة، وأتى القدر ليجمعنا في بلد مختلف، نتحدث بلهجات مختلفة، عن أمور كثيراً ما كنا فيها نختلف، حتى غطاء الرأس أو الحجاب الذي كاد أن يكون زياً يوحدنا، كسرته فكنت الوحيدة غير المحجبة بينهن، وحين أضع شيئاً على رأسي، يكون قبعة رياضية ارتديها يوم الأحد، وأنا أتمشى بين شوارع واشنطن هرباً من ضغط العمل في مصنع كبير اسمه أميركا.

دينا من مصر، أريج من الأردن، فريال من فلسطين، وأنا من المغرب، نخرج أربعتنا في لقاء غالباً ما يتخلله شجار، أكتفي فيه أنا بالضحك، وأقول لهن: "لهذا الشرق الأوسط لن يعرف سلاماً أبداً".

أحضرت أريج سيارتها، وقادتها فريال، كلتاهما شخصيتهما قوية، لكن فريال كانت تعشق قيادة السيارات، واريج تعشق قراءة الخرائط، وأنا لا أحب لا القيادة ولا الخرائط؛ لذلك اكتفيت ودينا بالجلوس كالأطفال في المقاعد الخلفية، تكفلت دينا باختيار الأغاني التي ستطربنا طوال الساعات الثلاث التي تفصلنا عن الوصول إلى شاطئ بأحد الأماكن بولاية فيرجينيا، واكتفيت أنا بتدوين الرحلة على صفحتي على فيسبوك، واستفزازهن بين الحين والآخر من باب كسر الملل.

شمس دافئة استقبلتنا ونحن نوقف السيارة بمكان هادئ، أشجار مورقة، ومياه زرقاء، صمت عن الكلام، فالمكان ساحر، والسحر يسكتني، ويترك فقط ابتسامة على شفتي، وعينين تلمعان فرحاً بهذا الجمال.

حملنا حقائبنا، ترجلنا من السيارة، ومشينا الهوينى في ذاك المكان الذي تناثرت في أنحائه منازل خشبية جميلة، وبدا سكانها وقد هجروها إلى ضوضاء المدينة، أو أنهم أخلوها حين عرفوا أن نساء أربع قادمات من واشنطن، ثلاث منهن محجبات، والرابعة تعشق الرقص في الهواء الطلق؛ لذلك لم أخط سوى خطوات قليلة حتى طلبت من دينا أن تشغل أغنية ما، وأن نستغل خلو المكان من أهل الإنس، وأن نحلق رقصاً.

تأملنني للحظات وأنا أنظر إليهن من تحت قبعتي الرياضية وخلف نظاراتي الطبية، وأبتسم في تحد لهن وكأني أقول "حنرقص يعني حنرقص"، نظرت إليّ فريال، كانت أكثرنا تعقلاً، أو لنقل أكثرنا حزناً، خرجت حديثاً من تجربة طلاق سيئة، وزوجها لا يزال يسكن قلبها، رفض أن يغادر الأردن إلى أميركا، استصعب الرحيل عن الوطن، واستسهل الطلاق من حبيبته، كانت تنظر إليّ شبه شاردة، حولت نظري إلى أريج، نظرتها كانت قوية، صلابة ربما اكتسبتها من تجربة عاطفية دامت لسنوات وانتهت بأن ارتبط حبيبها بصديقتها، حملت حقيبتها ورحلت عن الأردن إلى أميركا هاربة من الألم.

كانت دينا أملي الأخير في التحليق رقصاً، عيناها عينا الذي يقاوم أن يكتشف دموعاً حبست في مقلتيهما، رحلت دينا عن بلدها وأهلها بعد فسخ خطوبتها، وحلت بأميركا لتجد ألماً آخر ينتظرها في صورة حب من طرف واحد.

نظرت إليهن ملياً، نظراتهن حملت الكثير من الألم، ومع ذلك كن يواصلن الحياة، أو يواصلن العيش بصلابة، كنت أحسدهن على قوتهن رغم قسوة الحياة عليهن، لم تكن حياتي أقل قساوة، لكني لحظتها لم أكن حزينة بقدر حزنهن، فقد رحلت إلى أميركا بقلب خال من حب رجل، وأمضيت أيامي على أرضها أرفض أن أقع في حب أي رجل، كنت دوماً أقول إن أي حب في الغربة هو مجرد هروب من الوحدة، وإن الحب الحقيقي هو ذاك الذي تصادفه في وطنك وبين أهلك، هو ذاك الحب الذي يأتيك وأنت تحيا في أمان، لا هارباً.

على عشب أخضر، وبجوار أمواج هادئة تطل علينا بين الفينة والأخرى من خلف شاطئ أزرق، استلقينا نحن الأربع متعبات بعد أن جعلتهن يرقصن، لعلنا بالرقص ننسى ألم الغربة، ونخفف جراح القلوب. سمعت دينا تقول: "كل ما قلته له أن يعجل بزواجنا فجدتي كانت تحتضر وتريد أن تراني عروساً، فكان رده أنه فسخ خطوبتنا، فسخها حين رفضت أن أكتب عقد الشقة باسمه، كان يعرف أني البنت الوحيدة لأهلي، وكان متسرعاً يريد الحصول على ما يقدر عليه في أقرب وقت.. لم أتحمل صفعته ولا كلام الناس، فرحلت إلى هنا".

كنت أعرف أن آلام دينا أكبر من خطبة فسخت، فهي الآن تعيش حباً لشخص تعرفه منذ ثلاث سنوات يعاملها كصديقة، ويجهل أنها في عشقه ذائبة، لعلي لذلك تظاهرت بالنوم حتى لا تلتقي أعيننا فألمح فيها ذاك الألم المقيت، لكن يبدو أن ما حكته جر آلام فريال فسمعتها تقول: "أن تكوني فلسطينية يعني أن تكوني محكومة بالزواج من فلسطيني أو من أردني من أصل فلسطيني، طليقي كان خائفاً من ترك الأردن إلى أميركا، إخوتي أجبروه على تطليقي، يوم ذهب إلى المحكمة، كتب لي رسالة قال فيها: "حبيبتي، أنا ذاهب إلى المحكمة لتطليقك، أحبك"، لماذا لم يقاومهم من أجلي؟ أي حب هذا الذي يجعلك تستسلم ولا تقاوم؟"، تتساءل فريال في ألم.

حتى الام فريال كنت أعلم بها، كنت أكثر صوت يشجعها على إعادة المجاري مع طليقها، وأن تحاول تفهم مخاوف رجل بلغ من العمر الأربعين، وسيضطر ليجرب الغربة، يترك بلده وعمله ليأتي إلى بلد غريب، تصرف عليه زوجته إلى أن يتأقلم مع الوضع ويجد عملاً، ويتعلم لغة؛ لذلك استمررت في التظاهر بأني نائمة، قبل أن أقفز من مكاني وأنا أسمع أريج تقول: "حبيبي الذي كان لخمس سنوات يخبرني أنه يحبني وفي الأخير تزوج صديقتي، سيصل غداً إلى أميركا، وسيلتحق بالعمل معنا في الإذاعة".

قفزت من مكاني فهذا الألم لا يمكنني أن أتحمله، فما بالك بصاحبته التي تحمله بين ضلوع جسدها النحيل. تأملتها مطولاً، عيناها العسليتان تقاومان بكبرياء الانهيار، "أي حقارة هذه تجعل هذا الفتى يحاول تحطيم آخر ما تبقى من قلبها؟"، قلت في نفسي وأنا أتأمل أريج وهي تحكي أنها ستذهب إلى العمل بكامل أناقتها، وستقابله، وتلقي التحية، ولن تسمح لنفسها بالهرب، فلا مكان آخر تبقى لها للهرب إليه.

أيام بعدها، سأقرر الرحيل عن أميركا، أخبرت دينا بالأمر، حاولت بكل قواها منعي، لكني كنت مصرة أن لا مكان لي هنا، قلت لها: "الابتسامة بدأت تغيب عن قلبي قبل شفتي، ولن أسمح للحلم الأميركي أن يسرق مني أيامي"، طلبت منها أن تخبر الفتيات أن نلتقي جميعاً في سهرة بأحد المطاعم العربية، هناك رقصت كثيراً، كنت أرقص وكأني أحلق وأنا أردد وراء مغني المطعم أغنية الشاب خالد: "سوف نحب، سوف نرقص، إنها الحياة، لاااا لا لا لااا"، وحين عدت إلى حيث تجلس نساء واشنطن كما كنت أناديهن، قلت لهن: "يا فتيات، أنا غداً راحلة عن أميركا"، صرخت أريج "يا مجنونة"، ونظرت إلي فريال بهدوئها المعتاد، وقالت: "حلقي بعيداً فالحزن بدأ يغزو عينيك بعد أن كانت الفرحة تسكنهما".

شهر بعدها، توصلت برسالة من فريال تخبرني أنها ارتبطت بفلسطيني يقيم بدبي، وأنها غادرت أميركا، أما اريج فأخبرتني أنها قد نزعت الحجاب، وتحاول أن تعيش حرة بعيداً عن محاولات حبيبها السابق في استرجاعها، في حين أخبرتني دينا أنها ستذهب لمكة لأداء مناسك العمرة، وهناك ستدعو الله أن ينزع من قلبها حبها لحبيبها الذي تزوج حديثاً.

هذا المقال منشور في جريدة الأخبار الصادرة بالمغرب. ​

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.