المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شاكر الأشول Headshot

أجدادنا والحكايات مستودعة في الجينات

تم النشر: تم التحديث:

في عام 2009 تلقيت هدية من أحد الأصدقاء كانت مختلفةً عن المعتاد من الهدايا.

أخبرني صديقي عبد القادر أنه سيصلني صندوق صغير من شركة 23andme لفحص الحمض النووي، وأنه بموجبه يمكنني معرفة سلالتي الجينية، والتعرف على الأمراض التي يمكن أن تؤثر عليَّ في المستقبل.

أرسلت الفحص وفي خلال شهر كانت النتيجة في موقع الشركة توضح السلالة الجينية مع تقرير طبي حول احتمال إصابتي بعدد من الأمراض، وحتى حساسية جسمي لمواد مثل الكافيين وتجاوب جسمي مع بعض الأدوية الواسعة الانتشار.

منذ 2009 وأنا أتعلم المزيد عن نفسي وعن أصولي الإنسانية ورحلة أجدادي عبر القارات، وأدرك أن حكايتي وارتباطي بالآخرين أكبر، وأن حكايتنا وتاريخنا الإنساني هو ما يربطنا جميعاً بعيداً عن الرؤى الضيقة والتفكير العقيم الذي يعزز الأفكار العنصرية البغيضة في نفوس الناس.

في اليمن كغيرها من الدول العربية ينظر الناس إلى التاريخ نظرة محدودة، فمن يجد نفسه في أعالي جبال اليمن ووديانها لا يتخيل أن جده ربما أتى من إقليم آخر أو حتى قارة أخرى، الحكاية الأكثر قبولاً في اليمن هي ما تتداوله بعض الأسر في وسط وجنوب اليمن أن أصولها من شمال اليمن.

وربما يعترف البعض أو يفاخر بأصول تركية باعتبار أن هذه الهجرة قريبة، وأن ملامحهم لا يمكن إنكارها أو ربما يكون ذلك حتى مدعاة فخر.

بالنسبة لي ما اكتشفته هو أن تاريخنا وارتباطاتنا أكثر تعقيداً بكثير مما تبدو عليه.

اكتشفت مع نتيجة الفحص أن حكاية بدايتنا تعود إلى قبل 275,000 سنة، عندما كان أبونا واحداً بالنسبة لنا المسلمين اسمه آدم.

لكن بينما يؤمن الكثير منا بأن الله خلق آدم يرجح علماء أصول الإنسان أنه كان من ضمن رجال آخرين ولم يكن الرجل الوحيد.

ما يؤيده العلماء هو أن نسله هو النسل الذي بقي ومنه ينحدر كل إنسان اليوم على وجه الأرض، في حين اندثرت ذرية الآخرين من الرجال الذين عاصروه.

قراءة هذه الأسطر جعلتني أدرك أن الموضوع أكبر من حكاية جدي الذي عاش في قرية السناحي، في أعالي جبل من جبال المنطقة الوسطى في اليمن لقرنين أو أكثر بعد أن انتقل إليها من قرية أخرى مجاورة، وقبلها من مكان آخر.

قبل الفحص كان التاريخ لي سبأ ومعين وحِمْيَر وهذه حضارات يمنية وحضارة الصين والفراعنة والأزتك ثم التاريخ اليهودي والصليبي والإسلامي مروراً بآلام القرن العشرين والاستعمار وحكم التجهيل والاستبداد والإقطاع.

أما بعد الفحص فقد أدركت أن الحكاية الأهم هي حكاية الإنسان، وأن التاريخ الإنساني هو الذي يجمع بيننا.

لأكثر من مائة ألف سنة هاجر أجدادي وأجدادكم شمالاً بحثاً عن الغذاء والأمان وموارد الحياة في ظل ظروف مناخية متغيرة كانت تفتح لهم طرقاً وتسد أخرى.

وقبل حوالي ستين ألف سنة انتقلت مجموعة صغيرة عبر البحر الأحمر إلى المناطق الداخلية في جنوب غرب آسيا (اليمن والجزيرة العربية)، أجدادنا كانوا من ضمن هؤلاء، هذه فقط بعض الحكاية.

المذهل اليوم، هو أن معرفة صفاتنا الجينية وما تحمله من طفرات وراثية وتاريخنا من خلال قراءة جيناتنا ومقارنتها مع جينات الآخرين أصبح ممكناً وبسعر ميسر للكثيرين.

لكن المعلومات المتوافرة من أي موقع ستظل محدودة ومحددة بنوع الفحص ودرجة التدقيق في المعلومات والبيانات الجينية للشخص.

ولذا وبحثاً عن معلومات أكثر فقد قمت في 2014 بعمل فحص آخر لدى شركة Familytreedna وهناك استطعت جمع معلومات أكثر عن تاريخي الجيني وارتباطاتي بالآخرين.

الدخول في قواعد البيانات التي تبحث في التشابه بين جيناتك وجينات الآخرين لتعطيك قائمة بأقاربك من أنحاء العالم الذين يجمع نفس الأجداد قبل مئات أو آلاف السنين يجبرك على تغيير تعريف الأسرة، وتنتقل من تعريف الأسرة المصغر بالإخوان والأقارب والأنساب وأهل الحي أو القرية إلى تعريف يشمل آخرين بعيداً عنك، بل أشخاصاً لم تكن حتى لتتخيل أن بينك وبينهم أي علاقة، وتقبل بأن الأسرة الإنسانية هي الأكبر والأشمل والجامع لنا جميعاً.

فحص الحمض النووي يعطيك معرفة السلالة الجينية وبعض المعلومات عن تاريخها العام، لكن تاريخك الخاص وتاريخ أسرتك يحتاج للبحث والتدقيق والصبر فمع الأيام يكتشف العلماء المزيد وتتضح الصورة أكثر فيما يخص الهجرات والتنقلات للمجموعات والسلالات المختلفة.

المضمون في الأمر، أنك تتخلص من أمراض العنصرية بإدراكك أن البشر أسرة واحدة مهما كانت الاختلافات، وأن انحدارنا من أب واحد وقراباتنا لبعض ليست مجرد موضوع إنشاء أو مقولات نرددها.

ربما يتجلى هذا الأمر عندما يجد العربي البدوي المسلم الذي لم يغادر الصحراء أقارب له من اليهود والمسيحيين والمسلمين والشيعة والدروز يجمعهم أجداد من ألف وألفي سنة أو أكثر أو أقل.

صديقي عبد القادر صالح أهداني عالماً من المعرفة وتجربة غنية جعلتني أدرك أن الفروقات الشخصية والعائلية التي نتحدث عنها، والتاريخ الخاص الذي نسلط الضوء عليه تتلاشى أهميته أمام عظمة وطول التجربة الإنسانية التي تجمع الجميع في حكاية واحدة.

يختزل الناس التاريخ في مائة عام أو حتى في ألفي عام أو خمسة أو عشرة آلاف ويتباهون باختصارات الحكايات التاريخية ليتفاخروا بتاريخ مجتزأ، وحكايات من طرف واحد، بينما الحكاية الأكبر والأهم التي تجمع بيننا هي حكاية بقاء الإنسان عبر آلاف السنين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.