المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شاكر الأشول Headshot

تعليم العرب ووظيفة المستقبل

تم النشر: تم التحديث:

أكرر دائماً أنني في منتصف الأربعينات، وأنني ما زلت أكتشف وأتعلم الكثير عن نفسي وعن العالم من حولي، وربما ما يجعل ذلك ضرورياً هو ثورة التكنولوجيا التي نعايشها، والتي أثرت وتؤثر على كل شيء من حولنا، من التعليم إلى السياسة والاقتصاد، وحتى السلوك البشري، والعلاقات الإنسانية.

التكنولوجيا أيضاً وضعت في أيدينا وسائل تطوير الذات والمعرفة، فأصبحت الكثير من أدوات التعليم والاكتشاف والبحث والمعرفة في متناول أيدينا، ولذلك أصبح من الطبيعي أن أكون والكثير منكم في هذه الحالة التي تدفعنا دائماً إلى التواصل، وإلى اكتساب معرفة أكثر وتجارب تجعلنا أنضج وأقرب إلى الحقيقة، وإلى الرضا عن أنفسنا.

التكنولوجيا أيضاً تركت أثرها في حياتنا العملية والمهنية، وبدلاً من حياة الماضي؛ حيث كان الشخص يتخرج ويبحث عن مهنة يعمل بها طوال العمر إلى أن يتقاعد أو يتوفاه الأجل، دخلت التكنولوجيا إلى الأعمال لتحورها وتطورها، وتخلق مهناً وأعمالاً جديدة لم تكن متوفرة، ولم يحتجها الإنسان من قبل.

الجهاز الطبي الجديد يحتاج إلى مبرمج جديد وشخص متخصص للعمل عليه، وقاعدة البيانات تحتاج إلى مبرمج خاص، ولغة البرمجة الجديدة تحتاج إلى من يفهمها ويبرمج بها، والذراع الآلية الجديدة تحتاج إلى مبرمج وتقني لإصلاحها، وهكذا.

كل هذه التغيرات من حولنا غيرت من مفهوم العملية التعليمية كعملية تبدأ في سن الخامسة أو السادسة وتنتهي في منتصف العشرينات، أو أوائل الثلاثينات، فالعملية التعليمية أصبحت حياتية، وتعليمنا أصبح بلا نهاية، إذا أردنا واخترنا مواكبة المهن وتطوير مهاراتنا؛ لتسهيل الانتقال بين الأعمال والنجاة بأنفسنا من حياة البطالة، أو العمل في مهن لا تناسبنا.

تقدر وزارة العمل الأمريكية بأن الشخص ينتقل من 10 إلى 15 عمل في القرن الواحد والعشرين، وتختلف هذه الأعمال من العمل الروتيني الذي مارسه الناس في الماضي إلى العمل غير الروتيني والتقني والإبداعي الذي يتطلب المهارات والمرونة، والمعرفة الأوسع، والخبرات المتعددة، والشخصية القادرة على التواصل والعمل التعاوني مع الآخرين.

الخبر أعلاه قد يكون مزعجاً ومفزعاً، لكن ما يهون علينا جميعاً هو أن التعليم انتقل من سيطرة المؤسسات التعليمية إلى أيدينا نحن، فأصبح الواحد منا قادراً على تطوير نفسه والالتحاق بالبرامج المختلفة، سواء على الإنترنت أو المتوافرة محلياً، في الوقت الذي يناسبه أو يناسبها، بدون قيود مفروضة من أحد.

الجزء الأهم هو أن ندرك حاجتنا إلى التعلم المستمر، وضرورة ذلك للنجاح، وأهمية المهارات المختلفة التي نحن بحاجة إلى اكتسابها من كل عمل نمارسه، سواء كان مدفوع الأجر أو تطوعاً، فتلك المهارات مجتمعة تساهم في تحسين تسويقنا لأي مهنة نرغب بالانتقال إليها في المستقبل.

في مجال المهن والعمل اليوم الثابت أننا جميعاً سننتقل من عمل لآخر اليوم أو غداً، والثابت هو أن أبناءنا وبناتنا سيكونون أكثر تنقلاً منا بين الأعمال، وسيكونون بحاجة إلى مرونة أكبر للتعلم، ولاكتساب المهارات، وللعمل والتواصل مع الآخرين من مختلف الأجناس والثقافات.

الحقائق أعلاه تدفعنا للتفكر في حال تعليمنا التقليدي ومدارسنا التقليدية في أكثر البلدان والمجتمعات العربية التي ما زالت تدرس الكتابة والقراءة والرياضيات على أنها هي الأساس للحصول على المهنة، في حين أن تلك المهارات لم تعد وحدها كافية لمهن اليوم، ولن تكون أبداً كافية لمهن المستقبل.

بالأمس القريب فقط كان رواد التعليم يتحدثون عن الاهتمام بتعليم العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا (STEM) وبعدها بسنين قليلة أصبحوا يقولون إنه لا بد من إدخال الفنون معها، وتحول الحديث من STEM إلى STEAM (Science Technology Engineering Arts and Mathematics).

في مدارسنا العربية العلوم حفظ حقائق تتبخر مع نهاية كل اختبار، والرياضيات حفظ حلول المسائل واختبارها، والفنون محرمة إلا على فئة قليلة، والهندسة لا تدرس إلا في الجامعات لأصحاب التخصص، والتكنولوجيا مادة غريبة في مدارس بعضها لا تملك حتى القدرة على إضاءة لمبة كهرباء كتلك التي في الدول الفقيرة، وفي الأوفر حظاً جهاز كمبيوتر لا يؤدي غرضه، وإن كان فبمستوى محدود.

الكارثة هي أن غالبية الدول العربية ما زال تعليمها تقليدياً ومخرجاتها إلى الشارع يبحثون عن أعمال لم تعد موجودة، ويوظفون في مجالات لا تناسبهم، أو هم أصلاً غير مؤهلين لها.

والكارثة الأكبر أننا ما زلنا نمضي وبسرعة في نفس الطريق، بينما سقطت دول كالعراق وسوريا واليمن في مستنقع الحرب، وتظل مصر وغيرها من الدول العربية في شمال إفريقيا في حفرة الفقر، عاجزة عن تطوير تعليمها، وبناء إنسانها، وإعداد أبنائها للمستقبل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.