المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شاكر الأشول Headshot

التوقعات والسعادة في العلاقات

تم النشر: تم التحديث:

الحزن والاضطرابات النفسية التي نعانيها تنتج في كثير من الأحيان عن فشل الآخرين في تحقيق توقعاتنا. وسواء كانت تلك التوقعات في العلاقات الدائمة بالعمل والبيت ومع الأقارب والأصدقاء أو حتى العلاقات المؤقتة والتعامل المؤقت على المستوى اليومي في حياة الإنسان، فإن شعورنا بفشل الآخرين أو تخاذلهم في الارتقاء إلى مستوى توقعاتنا هو دافع مهم لشعورنا بالإحباط والحزن والخذلان والمشاعر الأخرى الخاصة بنوع العلاقة.

من علاقات العمل العادية، إلى علاقات الصداقة، إلى علاقات الزواج، إلى تعاملات الواحد اليومية، تعلمنا أن تكون لنا توقعات، ربما من المفارقات أننا لا ندركها فعلاً إلى متى ما شعرنا بالإحباط من عدم تحققها أو عند فشل الطرف الآخر في التصرف بمستوى توقعاتنا أو بتقديم ما توقعناه منه.

كنت أسمع دائماً أن من لا يود أن يشعر بالحزن أو الإحباط يقتل كل التوقعات بداخله، لكن هل بالإمكان أن يفعل الإنسان ذلك في علاقاته مع أهله ومع زوجته ومع أصحابه ومع أبنائه؟ وكيف تصبح العلاقة إذا استطاع الإنسان فعلاً أن ينهي تلك التوقعات؟ هل يمكن أن يكون الإنسان راضياً عن الآخرين وعن نفسه وعن علاقاته من دون توقعات؟ لا أعتقد.

العلاقات المؤقتة والتعاملات اليومية

أتصور أننا لا يمكن أن نتعامل مع كل العلاقات بالطريقة نفسها، فهناك علاقات ظرفية أو زمنية مؤقتة يمكن أن تكون توقعاتنا فيها "صفر" وهذه هي العلاقات أو التعاملات التي لا تؤثر علينا على المدى البعيد، لكنها تسبب لنا الغضب والحزن والامتعاض في أوقاتنا اليومية.

هذه العلاقات، أو ربما نصفها بالمعاملات، مثل علاقتنا أو تعاملنا مع بائع في محل، أو مع سائق سيارة آخر، أو حتى مع عابر سبيل مثلنا يقطع طريقنا أو حتى شخص في مطعم أو في حديقة. حتى مثل هؤلاء الأشخاص، نجد أن لدينا توقعات معينة من كل واحد منهم، فنتوقع من سائق السيارة التي أمامنا أن يسوق بنظام، وأن يلتزم بخط السير، وأن يستخدم الإشارات الضوئية الصحيحة، ونتوقع من الشخص الذي بجوارنا في المطعم أن يتناول طعامه بهدوء ولا يزعجنا، ومن الشخص الذي في الحديقة أن يأخذ قمامته إلى المكان المخصص، وهكذا.

بالتأكيد، كل تصرف بعكس توقعاتنا يسبب لنا الامتعاض، والغضب، ومن ثم ففي مثل هذه الحالات إذا جعلنا توقعاتنا من هؤلاء الأشخاص "صفر" فإننا سنعيش براحة بال، فلن يغضبنا تلاعب السائق أمامنا بالطريق، فلم نعد نتوقع منه الالتزام؛ بل العكس عدم توقُّع الالتزام بخط السير يعني أننا نتوقع منه أن يتلاعب وأن يتصرف بغباء بالطريق، ومن ثم نكون نحن أكثر حذراً وأكثر صبراً في الطريق.

العلاقات المؤقتة قد تغضبنا، لكن يمكننا في النهاية نسيانها وتجاوزها بعد مضي بعض الوقت حتى إذا كان لدينا توقعات عالية في بدايتها. أما من دون توقعات، فنحن -لا شك- سنكون أسعد عند خوض أي تجارب، فالسيئ يكون متوقَّعاً، والخير منها إن جاء فهو مفاجأة سعيدة لا شك.

العلاقات الدائمة وشبه الدائمة

أما العلاقات الدائمة أو شبه الدائمة أو حتى الطويلة كالعلاقات الأسرية والمهنية والصداقات والارتباطات التي تفرض طريقة معينة من التعامل؛ بل وتوقعات من كل طرف- فهي العلاقات التي تؤثر علينا كثيراً وهي العلاقات التي تلعب فيها التوقعات دوراً محورياً يمكن أن يسهم في تحديد نوع العلاقات ومدى تأثيرها الإيجابي أو السلبي علينا وعلى حياتنا.

العلاقة بين الزوجين، ربما تكون من أهم العلاقات التي تؤثر على الحالة النفسية للأفراد، باعتبار أن الأزواج هم الأقرب إلى الإنسان، والتوقعات التي نبنيها في العلاقات الزوجية هي الأكبر والأكثر تعقيداً.

وفي حين يمكن ألا يكون هناك لديَّ أي توقعات من السائق الآخر مثلاً، أو حتى من الممكن أن أتوقع منه الأسوأ، فإنه لا يمكن الحياة من دون توقعات مع الشخص الأقرب كالزوج أو الزوجة أو القريب أو الصديق، ولذا فنوعية العلاقة هنا تحتم تفاهماً آخر يجعل التوقعات واضحة وواقعية ومتفق عليها.

في الغالب، ما يسهم في اضطراب العلاقات المهمة بحياتنا هو التوقعات الغامضة، وأحياناً غير المعقولة أو التي لا تأخذ بالاعتبار ظروف وحاجات الشخص الآخر.

قد تتوقع الزوجة من الزوج أن يقوم بعمل ما؛ لأنها تعتبره من صميم مسؤولياته كزوج، وحق لها كزوجة، وعند فشل الزوج في تنفيذ ذلك الأمر تعتبره الزوجة خذلاناً لها، في حين أن سبب عدم تنفيذه ذلك الأمر قد يرجع لأسباب كثيرة، ربما أبسطها انشغاله بظروف عمل خاصة أو بأمور قد يعتبرها هو أكثر أهمية.

التوقعات الغامضة، والشعور بالخذلان والصمت الذي يتبعها، ينخر في العلاقة ويؤثر عليها ويؤسس لتجارب من الفشل والإحباط في تحقيق توقعات العلاقة وتقويتها.

أمثلة أخرى، وربما الشائع منها هذه الأيام موضوع التواصل من خلال المنصات الاجتماعية المتوافرة على الإنترنت، وهنا قد يكون لكل طرف في العلاقة توقعات من حيث عدد مرات وأوقات التواصل، فإذا لم يتحقق المتوقع من مرات وجودة التواصل شعر الشخص بأن العلاقة ضعيفة، فيتصرف وكأن الشخص الآخر يبتعد عنه أو لا يهتم به، بينما الأمر ليس كذلك ألبتة.

ومن ثم، فإن العلاقة يمكن أن تضعف وتتسبب في الشعور بالخذلان والحزن لخسارة الشخص، في حين أن الشخص ربما تشغله أمور أخرى، وربما حتى لا يعتَبر ذاك النوع من التواصل مهماً للعلاقة، ربما يكون هذا من الأمثلة البسيطة في حياتنا، وهنالك توقعات وطلبات أكثر أهمية، ويعتبرها كل طرف أساسية في العلاقة، بينما قد لا يجدها الطرف الآخر بالاهتمام ذاته، ومن ثم ففي العلاقات المهمة في حياتنا، نحن بحاجة إلى توضيح التوقعات والاتفاق على توقعات مناسبة وواقعية.

الرضا في العلاقات مرهون بقدرة الأطراف على تحقيق توقعات كل طرف، والأخيرة تعتمد على وضوح هذه التوقعات واتفاق الطرفين عليها، فمن دون ذلك يظل الغموض في التوقعات سبباً في الشعور بالخذلان والفشل في العلاقات، ومن ثم تدهور مشاعرنا والحياة مع نتائج كل ذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.