المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شاكر الأشول Headshot

تجربتي في تعلُّم الكتابة بالعربية

تم النشر: تم التحديث:

علَّمني العرب أن أكتب ليُذهل الآخرين، وعلمني الغرب أن أكتُب كي يفهم القرَّاء، لقد علَّمني الأستاذ في المدرسة الأساسية أن التشبيه والسجع وتعقيد الكلمات هي أصل اللغة العربية، وعلَّمني أستاذ اللغة الإنجليزية أن المفردات خُلقت أصلاً للتواصل بين بني البشرية.

علموني في المدرسة العربية أن الكتابة لأجل الكتابة، وأن التعقيد واللف والدوران هي أصل العبقرية، وعلموني في مدارس الإنجليز أن الكتابة للقراءة والفهم بالمفردات البسيطة والجمل القصيرة والأفكار المنطقية، بل أجبرني أستاذ التعبير العربي على أن أكتب عن الديمقراطية وعن الحرية، وانهمك أستاذ اللغة الإنجليزية يعلمني كيفية كتابة الرسائل التجارية، وكيف أقنع القارئ بالدليل القاطع والحجة الدامغة بدون فلسفة أو مطمطة أو عنجهية.

في الأعلى مختصر بسيط عن تجربتي في تعلم الكتابة، ورحلتي في دراستي الأساسية وحتى الثانوية في عالم الشرق الذي علمني التعقيد والتركيز على البلاغة وتجميل وتفخيم وتكرار الكلمات، وبين عالم الغرب؛ حيث قضيت دراستي الجامعية وعملت هناك، وحيث تعلمت أن الكتابة أداة تواصل وليست أداة استعراض شعرية.

ربما كانت الكتابة أحياناً مجالاً لإبداع الشعراء والأدباء، فالناس لا شك يحتاجون إلى تلك اللغة التي تغذي الروح وتسبح بخيال المرء بعيداً حتى يتذوق ويترجم مشاعره، وينظر إلى العالم من حوله وأبعد بعدسات مختلفة، بل بمناظير تمكنه من رؤية ما لا يراه ولا يدركه بحواسه الطبيعية، لكن الأهم أن تكون اللغة أداة تواصل لنقل الأفكار بصورة مبسطة، تفهمها الغالبية من الناس دون عناء، ودون اجتهادات عاطفية.

غادرت اليمن حيث درست الابتدائية والإعدادية والثانوية، وحيث كانت حصص التعبير منحة وهدية استثنائية، وحتى عندما جاءت حصة التعبير، جاء معها تحديد الموضوع من الأستاذ، وغياب الخيار والقرار، ما زلت أذكر يوم فرض علينا مدرسنا في الصف الثالث الإعدادي في المرحلة المتوسطة أن نكتب موضوعاً عن الحرية.

أجبرنا الأستاذ على الكتابة عن الحرية، وطلب منا أن نبدع بجُمل إنشائية وبلاغية، كتبت في رابع أو خامس سطر، لم أعد أذكر تماماً، أن عمر بن الخطاب قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وربما كتبت أيضاً عن عصفور في قفص لم يحتمل سجن القضبان الركيكة المعدنية، وعاش حياة الكآبة؛ لأنه يتوق للطيران والتحليق في فضاء من الحرية.

لا أدري ماذا كتبت أيضاً، لكن يبدو أن الأستاذ أعجبه ما كتبت، فقد أعطاني 8 من 10، وكانت تلك الدرجة هي أيضاً درجة أذكى طالب في الصف، كنت فخوراً جداً بتلك الدرجة، وها أنا أذكر أن الأستاذ فرض علينا أن نكتب عن الحرية، وكتبنا وأبدعنا، وجعلنا لغتنا وردية وزهرية، بقدر ما نستطيع، لكنها كانت من غير شك فارغة دون معنى.

فكيف يكتب من لا يعرف الحرية عنها، وهو يفتقد أبسط تعابيرها وأشكالها؟ لكننا وكأننا نعيش بانفصام عن واقعنا، كتبنا حينها عن الحرية بالنسبة لبلال والرقيق في الجاهلية، وعن حرية العصافير والبلابل المغردة في الأقفاص الحديدية.

القصد أنه لم يكن مستحيلاً مع الكتابة بأسلوب اللف والدوران والإنشاء والفبركة أن نكتب عن أشياء لا نعرفها، وربما أن ذلك هو الدرس الأهم، وهو الدرس الذي لازَم الكثير منا اليوم، سواء ونحن ندوِّن أو نكتب للصحافة ومواقع الإعلام والتواصل الاجتماعية.

أقول دائماً إنني تعلمت الكتابة باللغة العربية من دراستي للغة الإنجليزية، ففي فصول اللغة الإنجليزية تعلمت أن سحر اللغة ليس في تعقيدها، بل في إيصال الفكرة وتوضيحها في أقل الكلمات، فالناس ليس لديهم الوقت، ليقرأوا ويفسروا، ويضيعوا بين التأويلات، وبين البحث عن المعاني والمقاصد، تعلمت من أساتذة اللغة الإنجليزية أن أبسط أفكاري، وأن أجعلها سلسة مترابطة، وأن أفضل الكتابات ما قلَّت أفكارها، وليس ما ازدحمت به الجمل المركبة والكلمات الكثيرة التي لا تقول شيئاً، تعلمت أيضاً أن أستخدم البسيط من الكلمات، وأن لا أطيل الجُمل، وأن أستخدم "النقطة" في نهاية الجملة والفاصلة بين الأفكار.

كل هذه الأشياء تعلمتها هناك في الغرب، لكن كل ذلك أصبح مصدر تعاسة، وأنا أقرأ اليوم لكثير من إخواني من المدوّنين، ومن الصحفيين العرب.

الجمل التي أقرأها طويلة معقدة، والأفكار أحياناً متشابكة ومتشعبة، والجمل توضع هنا وهناك جزافاً بدليل وبدون دليل، غموض في الأفكار، وتعقيد في الطرح، ومصداقية تتلاشى مع جمل وردية وزهرية تبالغ في الوصف، والتوصيف، فموضوع عن عالم باحث لدينا يجعله أكبر باحث في العالم، وصاحب الشهادة المزورة نعتبره ضحية استهداف الناس له، ومن يدعي اختراعاً نعتبره عبقرياً ليس له مثيل في هذا العالم، بينما في الغرب من له عشرات المخترعات لا يدري عنه حتى جيرانه.

في الغرب أيضاً لا يتحدثون عن الأشخاص، بل عن إنجازاتهم، ولا يتحدثون عن الزعيم والأمير والقائد، بل عن الزعامة والقيادة والإنجاز، ولذلك فهم في غنى عن مفردات التفخيم والتبجيل، ولأنهم مُساءَلون فهم مضطرون للبحث عن الحقائق والأدلة لتأييد ما يكتبون، ولذلك فهم عكسنا في غنى عن اللف والدوران، وفي غنى عن التلاعب بالكلمات، والتلاعب بعناصر البلاغة والإنشاء.

نلف وندور في كتابتنا عن كل شيء، عن الأحداث، وعن الأشخاص، والأكثر ألماً أن قراءنا لا يسألون ولا يتساءلون، ولا يُحملوننا مسؤولية ما نكتب وما ندعي، بل قد يتساءلون عما نكتب في مجال الرياضة أكثر مما نكتب في المجالات الأخرى التي تكون بعيدة عنهم.

والحقيقة أن هناك قراء ناقدين يُحملون الكتاب مسؤولية ما يكتبون، لكن أعدادهم قليلة، أما الغالبية فهم يصدقون ما يحبون، ويكرهون أن يتساءلوا أو ينكروا ما يعكر عليهم حتى صفو أحلامهم، ناهيك عما يتناقض مع أفكارهم وأحكامهم المسبقة.

وها أنا ذا في مقالي هذا قد كتبت، وحاولت أن أصل بفكرتي البسيطة بكلمات كثيرة، وما تحكمون عليه من توفيق وإخفاق هو ناتج عن تجربتين تعليميتين شرقية وغربية أخذت من إيجابياتهما، ومن سلبياتهما، وودت أن تكون رسالتي المختصرة في أن تكون كتابتنا بسيطة ومبسطة، تعتمد على الحقائق والطرح المنطقي، حتى تصل الأفكار إلى القارئ بسهولة وموضوعية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.