المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 شاكر الأشول Headshot

رئيسي ترامب سيكون مختلفاً

تم النشر: تم التحديث:

كان الوقت نحو السادسة مساءً يوم الثلاثاء، الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2004، عندما قررت أن أصطحب ابنتي الكبرى سارة، التي كان عمرها في ذلك الوقت 7 سنوات، إلى مركز الاقتراع للمشاركة في الانتخابات الرئاسية التي تنافس فيها جورج بوش الابن وجون كيري.

أردتُ أن ترى سارة التجربة بأم عينيها، وأن تشارك مع أبيها في هذا الحق الذي يكفله الدستور الأميركي كأحد أهم حقوق المواطنة الأميركية.

في الطريق إلى المدرسة المجاورة لمنزلنا حيث يقع مركز الاقتراع، سألتُ سارة: لو كنتِ قادرة على التصويت فلمن ستصوتين؟ أجابت دون تردد: لجورج بوش. "لماذا؟"، سألتها. "لأنه سيحمينا"، قالت.

كانت ابنتي قد أصبحت جمهورية بينما أبوها ديمقراطي، وكانت قد تأثرت بالدعاية الانتخابية لجورج بوش التي أظهرته مدافعاً قوياً عن أمن أميركا.

في السابعة من عمرها، لم يكن لدى سارة المعلومات الكافية، ولا حتى القدرة على وزن الأمور من أبعاد مختلفة. لكن الأمر الأهم لها، والموضوع الأقرب لها ولأي إنسان، كان الأمن الشخصي والمجتمعي.

دخلتُ مع سارة إلى مركز الاقتراع، وخلف ستارة جهاز الاقتراع استعرضت معها الخيارات المختلفة وضغطت على الأزرار المقابلة لمرشحي الحزب الديمقراطي.

لا أدري ما الذي شعرت به سارة وأنا أنتخب جون كيري، ربما كان لديها بعض الثقة باختيار أبيها. عدنا إلى المنزل بعدها لنرقب النتائج، ولحسن حظ سارة فقد فاز جورج بوش بولاية ثانية في ذلك الوقت.

كان ذلك في 2004، أما في 2016 فقد كانت المنافسة بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.

ومع تعقيد القضايا المختلفة التي على رئيس الولايات المتحدة الأميركية أن يتعامل معها، نجح دونالد ترامب في تبسيط تلك التحديات ووضْعها في قالب يسهل على أشخاص كثيرين فهمه وقبوله ودعمه.

في أميركا، مَن خسِر عمله بفعل التكنولوجيا لا يميز بين المكسيكي الذي هرب إلى بلاده بحثاً عن حياة أفضل والروبوت الآلي الذي أخذ مكانه في المصنع، ومن يسمع كل يوم عن القتــل والذبح في الشرق الأوسط لا يميز بين إرهابيي "داعش" والمسلم الأميركي الذي يعيش إلى جواره أو حتى الطبيب المسلم الذي يعالجه.

إذا كان العرب أنفسهم في بلدانهم يخلطون ولا يميزون ويدْعون كل من خالفهم من الإسلاميين بالدواعش ليُسجنوا أو يُستثنوا من الحياة السياسية، فما بالنا بأفراد الشعب الأميركي الذين يستشعرون خطر الإرهاب الذي هددهم في الماضي ويهددهم في الحاضر!

لم يُعقّد ترامب أياً من الأمور التي في أذهان الناس، فقد قال لهم: سنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، وسنبني الجدار ليمنع المكسيكيين من التسلل إلى أرضنا، وسنُرغم الشركات الأميركية على العودة للتصنيع في بلادنا، وسنمنع الدول الأخرى من استغلالنا، وسنحمي بلادنا من المسلمين.

جُمل بسيطة التركيب، سهلة الفهم، وتتعامل مع عواطف وعقول الكثير من الناس الذين يبحثون عن البساطة في سجالات السياسة. جُمل جعلتهم يقبلونها ويقبلون قائلها ويدعمونه دون أن يلتفتوا إلى كل جوانب القصور الشخصية التي عرفوها عنه.

انتخب الأميركيون رئيسهم وممثليهم وانتهى النشاط السياسي للكثير منهم حتى يوم الاقتراع في العام القادم، وبينما يكون العربي سياسياً طول العام، يختار الكثير من الأميركيين أن يكونوا سياسيين في يوم الانتخابات فقط، وبعد أن يدلوا بصوتهم يتركون الأمور تجري في مساراتها ويعودون في يوم الانتخاب من العام القادم لمراجعة الحسابات مرة أخرى في الانتخابات المحلية أو الاستفتاءات.

اختار الأميركيون ترامب، والآن أصبح ترامب هو الرئيس، أصبح رئيسي أنا أيضاً وأنا الديمقراطي الذي فضلت هيلاري كلينتون! وتحولت الآن مثلما تحول أفراد الشعب الأميركي لمراقب لما سيحدث: ما الذي سيفعله ترامب؟ وكيف سيحافظ على وحدة المجتمع؟ وكيف سيتعامل مع العنصرية المقيتة التي أسهم في تأجيجها؟ وما الذي سيحققه للشعب الأميركي، وكيف سيكون تعامله مع العالم الخارجي؟

أسئلة كثيرة في ذهني وذهن الكثيرين، وعلى الرغم من أننا كلنا سننتظر، يرجح الكثيرون أن ترامب الرئيس سيكون مختلفاً عن ترامب المرشح.

انتهت اللعبة بالنسبة لترامب وحقق رغبته في الفوز، كان يقول إنه لا يقبل الهزيمة، وهو كتاجر متمرّس فعل كل ما استطاع ليفوز، لكن التحدي اليوم أصبح مختلفاً. بالأمس، كان تحقيق الانتصار يعني الفوز على هيلاري كلينتون في الانتخابات، أما اليوم فالانتصار يعني شعباً أميركياً بعيداً عن العنصرية، متقارب الأفكار، متقارب الآراء، قادراً على الحوار ومؤمناً بالتعايش وقبول الآخر. انتصار ترامب الرئيس يعني دولة أميركية آمنة قوية، تحافظ على علاقاتها وتأثيرها دولياً وتوفر لمواطنيها الحرية والكرامة وفرص التقدم الاقتصادي والمعيشي.

هذه المعايير وهذه التحديات ستجعل من ترامب رجلاً آخر غير الذي رآه الناس في فترة الترشيح والمنافسة مع هيلاري.

سينتظر مؤيدو ترامب تنفيذ وعوده، ولا أدري موقع وحجم الجدار الذي سيفرض على المكسيك أن تدفع ثمنه! ولا أدري كيف سيفرض على الشركات أن تعيد المصانع إلى أميركا وهي التي أصبحت تستبدل العاملين بالروبوتات والأذرع الآلية! ولا أدري كيف ستكون الشركات الأميركية ناجحة إذا كانت العمالة الأميركية الغالية ستضيف إلى أسعار منتجاتها فتصبح غير قادرة على المنافسة عالمياً؟!

في الوطن العربي، يراهن الناس كثيراً على كل نجاح أو فشل للرؤساء الأميركيين، والحقيقة أن الرؤساء في أميركا جزء من منظومة أكبر تشمل مجلس الشيوخ والكونغرس وجهات الضغط المختلفة التي توجه السياسات والتشريعات.

ولذلك، فما ترامب إلا عنصر واحد من عناصر صناعة القرار في الولايات المتحدة الأميركية وهو ما يجب أخذه بالحسبان حتى لا نبالغ في وضع كثير من الحسابات بناءً على وجوده أو وجود غيره في منصب الرئاسة.

تحديات كثيرة يواجهها ترامب، وتفرض عليه أن يكون شخصاً مختلفاً جداً عن الشخص الذي رأيناه خلال العام الماضي؛ فالواقع الذي يواجهه الرئيس ترامب سيروّضه ويزيد من تواضعه، ما لم يفعل هذا فإن غروره وتعنّته سيحكمان عليه بالفشل وستكون سياساته كارثية.

بالنسبة لي كعربي أميركي مسلم، لا يقلقني ترامب كثيراً؛ لأن لدي إيماناً عميقاً بقدرة المجتمع الأميركي على تصحيح أخطاء أي رئيس وأي إدارة تصل للحكم، كما أن لدي ثقة بأن أي توازناتٍ المنظومة السياسية والتشريعية كفيلة بأن تحيّد كل تطرف يأتي إلى البيت الأبيض أو إلى أي مؤسسة من مؤسسات الحكومة التشريعية في البلاد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.