المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء العلي Headshot

يُمنع دخول المُفلسين

تم النشر: تم التحديث:

بعدما فَقَد يده قبل 9 سنوات وانتُزِع منه الإحساس بالأشياء، استطاع فريق عملٍ سويسري تعويضه، عن طريق اختراع يد صناعية مربوطة بالجهاز العصبي يمكنها الإحساس واللمس عن طريق أصابع روبوتية، ليمسك بيد ابنته التي تعاني ألم الأسنان، وتفكر في وجع التحفير والنخر، ليُبشره الطبيب أن هناك فريقاً بحثياً من جامعة هارفارد الأميركية تمكّنوا من استخدام أشعة ليزر منخفضة الطاقة في تحفيز الخلايا الجذعية للإسنان لإعادة تشكيلها دون الحاجة إلى الحفر والنخر المزعجين.

دُهش الرجل لسماع هذا الإنجاز العلمي، فأجهز الطبيب على دهشته بإخباره أن أستراليا مثلاً طورت مجاهر القوة الذرية، بحيث يمكنها من تتبع أجسام أخف من البعوضة بمائة مليار مرة (العدد صحيح كما قرأت).

ثم نظر الأب إلى ابنته فانتزع من يديها "وردة"، كانت قد قطفتها فصرخ بها قائلاً: اليابان أقاموا بحوثاً في إطالة عُمْر الزهور وأنتِ تقطفينها! عطّلوا الجين المسؤول عن الشيخوخة وأنتِ تقطفينها!
يكفي الآن..

راجع أحداث القصة الماضية الخيالية المَجرى والصحيحة بكافة تفاصيلها، هل لمحت وجوداً للعرب غير لغتي التي أكتب بها؟ أنت قرأتها في الواقع ولكنك نسيت، أتذكر أكبر "كبسة"؟ يبدو أنك لا تتابع الأخبار بشكل جيد، حسناً أكبر صحن "تبولة"؟ حمص؟ نسبة فقر؟ رشوة؟ فساد؟ رجعية؟ مع رفضي التام لهذه الكلمة وأُفضّل استبدالها بتوقف مفاجئ لهرمون النمو.

لنعد إلى موضوعنا الآن ونربط الأمور ببعضها، عندما نشاهد كمية التطورات التي يسبقنا بها الغرب، وكمية الإنجازات المحيطة بنا، يُغرقنا شعور الإحباط والكُره والحقد على الوضع الراهن والحب الأعمى لكل الحضارة الغربية وتقليدهم حتى في تمزيق ملابسهم.
عندما تتصدر الولايات المتحدة الأميركية أعلى دول العالم بانتشار معدلات الاغتصاب والتحرش الجنسي، وتأتي المكسيك المشتهرة بجرائم القتل الجماعي وتجارة المخدرات والخطف، والعنصرية الغنية عن التعريف، المافيا، التفكك الاجتماعي، الانتحار وغيرها الكثير.

في الحقيقة لا يمكن القول إنه من الممكن أن تميل كفة الميزان إلى صالحنا بذكر السابق، لأن ما بين الكفتين كما بين السماء والأرض، نحن انشغلنا بالنظر إلى هول الفجوة ونسينا أن الميزان بين يدينا أو من عندنا بمعنى أصح، ونسينا أننا في أخذنا الميزان بعين التطبيق سنبدأ بالنهوض.
سنبدأ بتقليل المسافة الشاسعة للنهوض بمجتمعنا، أكثر ما ساعد الأوروبين في نهضتهم من الناحية الاقتصادية، خاصة هو التزامهم بالقوانين بشكل صارم فتخيل لو التزمنا بتعاليم ديننا بشكل صارم؛ هناك لديهم غرامة عند رمي القمامة على الأرض وهنا لدينا "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، هناك الرشوة إهانة وهنا الراشي والمُرتشي ملعون، هناك كل منهم يحاول التفوق في مجاله وهنا "إذا عمل أحدكم فليتقنه"، هناك يشجعوا على التعليم وهنا "اقرأ".

ما الفرق إذاً؟ الفرق هو التطبيق، عندما يكون أول شيء نتعلمه اقرأ، عندما تؤمر بالإتقان وبحب الناس وبمساعدة الفقراء، عندما يُرفَضُ أن تكون شخصاً بلا عقل وتؤمر بالتأمل، عندما نستطيع أن نتجاوز كل هذا الانحطاط الحاضر بالنهضة المستقبلية، فقط عن طريق عقل واعٍ وزرع أفكار صحيحة بعيدة عن التشويه والتضليل والفهم الخاطئ لمبادئ الحياة والدين.

لكن هناك بصيص أمل، هناك أجيال قادمة وأمة قادرة على البناء والنهوض من جديد، أغلب شعوب الحضارة الغربية صدّروا للكون حبهم لأنفسهم وثقافتهم، نادراً ما ترى غربياً يخجل من ثقافته، بل ويبرر كوارثهم بأي شيء، بالحرية الشخصية، بالانفتاح، بالـ"Sorry" المهم أن يبقوا هم الأفضل.
يجب أن نبدأ من الحب، عندما تحب نفسك وأهلك ومجتمعك، حاول النظر إلى أي شيء إيجابي تراه بمجتمعك وتحدث كثيراً عنه، وإذا لم يكن هناك شيء "أوجده"، أنت خليفة الله على الأرض وإعمارها هدفك الأسمى، هناك جزء مفقود من كتاب نهضة أمتنا، يُنتظر منك أن تخُطَّ بدايته، مع الاستفادة من الحضارات الأخرى والتَعلم لنُقلل الزمن قدر المستطاع بالنهضة السريعة والتعلم من أخطاء الغير، دون أن يتسلل اليأس إلى قلوبنا.

عندما نفتح عقولنا على مبادئنا الصحيحة وعلى أهمية تطبيقها الفعلي سنفهم من أين نبدأ، الموضوع لا يقتصر فقط على التسابق بعدد الصلوات في اليوم الواحد وتجاهل الأخلاق الواجبة علينا، ولا يخص دعاء السفر والسوق فقط، الأمر لا يعني التقليل من أهمية الفروض أبداً، ولكن يجب أن نعي أن التطبيق أكبر بكثير من هذا، عندما يقول رسولنا الكريم "إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن يغرسها فليفعل".

من هذا فقط، دون التطرق إلى أي شيء آخر، عندما تؤمر بإعمار الأرض إلى آخر لحظة، عندما تتحمل مسؤولية البناء، وأنت ترى بعينيك فناءها، عندما تعمل وأنت ترى الأرض تُدمر، وكأن هذا الحديث وجِد ليرد علينا حين يأسنا من العمل دون نتيجة.
غيِّر طرق استقبالك للأمور والآراء، تقبل الرأي الآخر، خذ ما يفيدك منه واحترم الباقي.

تخيل لو طبقنا منهجنا فعلاً، هل تتخيل أننا من الممكن أن نعاني مشاكل في التحرش والاغتصاب والقتل والسرقة؟ إذا التزم كل شخص بالمنهج الصحيح الفعلي للدين والمبادئ، قد يقول البعض إن الملتزمين لا يفعلون شيئاً، بل ويمثلون صورة سيئة للإسلام، حسناً لنذهب إلى أفضل مدرسة في العالم وإلى أفضل معلم في هذه المدرسة، وقم بالدخول إلى صفهِ، هل سيكون كل الطلاب لديه هم من المتفوقين؟

أو هل جميعهم لديهم نفس درجة التفوق؟ بالطبع لا، مع أن المعلم نفسه والمنهج نفسه، ولكن هناك طالباً يلتزم بتعليمات المعلم حرفياً مع الفهم والبحث والممارسة، وهناك طالب يؤجل جميع واجباته، وهناك من يتناساها، وهناك من لا يريد أن يطّلع عليها أساساً، فالمشكلة لا تكون بالمعلم ولا بالمنهج بل بالطالب، ولديك الخَيار.

وأخيراً لنبتعد قليلاً عن التمجيد لغيرنا ونَدْب حظنا كالمُفلسين، إياك أن تكون من المفلسين، وتقوم فقط بعرض مساوئنا وعيوبنا، كما فعلتُ أنا في بداية المقال، ومتأكدة من حجم الإحباط بداخلك حين المقارنة، دعنا نضع بواجهة عروبتنا من قدّم للبشرية ما ينفعها أمثال د.طارق حسنين، الذي طوّر علاجاً فعّالاً لالتهاب الكبد الوبائي، والباحث حيدر التميمي، العراقي الأصل، وإنجازاته في حقل علوم الأعصاب، والكثير في مجالات الفلك والعلوم والفيزياء، لنبحث عن إنجازاتنا ونعرضها ونصلح دواخلنا، ليأخذ غيرنا القدوة من خارجنا، ولا ننسى أن الله أمرنا بالإحسان إلى كل شيء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.