المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شيماء عبدالله Headshot

رسالة من قبرها إليكم

تم النشر: تم التحديث:

من منا لا يحب أن يسعد حبيبه حتى لو على حساب سعادته؟ من منا لا يحب أن يرى هذا الحب أفعالاً وليس أقوالاً؟ لن أطيل عليكم بمقدمات لا تجدي، سأقص عليكم رسالتها التي أعطتني إياها، في إحدى زياراتي إليها عند مدفنها؛ لتشكو لكم منه، ولتشهدوا على ما فعله معها، والأهم من هذا وذاك ألا تفعلوها مع عزيز رحل عنكم.

في سن صغيرة رحلت تاركة صغيرتها التي لم تتجاوز العامين في أحضان أب أقل ما يوصف به في مدينتهم أنه على خُلق، وهب لم تنكر ذلك بل أكدته، أخبرتني أنها عاشت معه أجمل سنين عمرها، كما أنه أكرمها وأحسن إليها، قائلة: لم يبخل أبداً بعلاج طلبته منه منذ أن بدأت رحلتي مع المرض، على العكس كان دوماً بجانبي، يساعدني ويخفف عني أعباء المنزل والاهتمام بطفلتنا، ويدعو الله كثيراً أن يشفيني، كان نعم الزوج، ونعم الرجل الذي طالما حلمت أن يكون لي يوماً.

كل مدينتنا كانت تحلف بأخلاقه، أحبوه جميعاً كما أحببته، لم يكن رجلاً روتينياً مملاً، فكثيراً ما كان يفاجئني بهداياه، حتى وإن كانت بسيطة، فكانت تغمرني سعادة وفرح وثقة به وبنفسي؛ لأني أحسنت الاختيار، بعد وفاتي لم يستطِع الذهاب لبيتنا؛ لأنه لن يقدر على رؤيته بدوني، استقر بعدها في بيت أبيه، لم تمر شهور على وفاتي، وذهب ليخطب! كأن تلك الشهور كفيلة بمحو كل شيء كان بيننا؛ بل كأن ما كان شيئاً من الأساس.. أحقاً؟! تلك الشهور كفيلة بنسيان أكثر من خمس سنوات زواج؟ فجأة تمالك نفسه وجدد عفش المنزل ليستقبل زوجته الجديدة، دون حتى أن يخبر أمي المسكينة التي كسرها حزنها عليَّ، وجاءت على لافتة قبري ومحت اسمه من عليها، كما هو متعارف في المقابر، يكتب اسم زوجها بعد اسمها.. "زوجة فلان الفلاني".

أخذت تمحو اسمه حتى سقت تربتي بدموعها، وعذبتني هي مرتين؛ مرة بقهرتها عليَّ، ومرة لقلة حيلتي.

كم كنت أريد أن أخبرها أنني لست حزينة بوجودي هنا، ولا لأن عمري كان قصيراً، ولا حتى لأني حُرمت من ابنتي التي لم أهنأ بفرحتها لعلّتي ومرضي؛ لكنه وحده الفراق، هو الفراق ولا غيره، وخيبتي في والد ابنتي، ولكن أخبريها أننا حتماً سنلتقي.

لست أنانية كما سيتهمني البعض، أعلم أن سنه صغيرة، ما زال شاباً، يريد أن يعيش حياته.. وأؤمن أن ما دام القلب ينبض، سنظل نحب، لكن أبهذه السرعة ينبض ثانية؟! لا أريد أن يُفني عمره حزناً عليّ، فقط كنت أود أن أشعر بمكانتي وحبه، حتى ولو بعد عام واحد، كنت أتمنى أن ينتظر بعض شهور على تلك الشهور ليُكمل عاماً.. عاماً واحداً كنت أريده.
شهر، شهران، عام، عشرون.. بالنهاية سيتزوج ولا يقاس وفاء المحب بمدة حزنه على حبيبه، إنما ببقائه في قلبه ما دام حياً، لكن هناك دوماً أشياء صغيرة تشعرنا بمدى محبتهم حتى وإن كانت وهماً.
حتى ابنتي، عذره الوحيد للزواج، لم تتركها أمي ولم يجبر أن يجلس معها، قامت أمي برعايتها ليهتم بعمله، ولم أجد له أعذاراً للزواج بهذه السرعة.
فهل مطالبتي بتأجيل زواجه بعض شهور هي أنانية؟

أخبري هؤلاء الأحياء، نحن الأموات أننا لا نريد منهم شيئاً، والأحرى أنهم لن ينفعونا بشيء سوى أن يمنحونا دعوة، شعوراً بالفقد ولو كان مزيفاً، شعوراً بأنهم لم ولن ينسونا وإن كان هذا من طبعهم وطبيعتهم، وزيارة تسعدنا، أرجوك أخبريهم أن تذكرهم لنا دائماً أفضل كثيراً من زكاة يدفعونها عادة لا حباً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.