المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شادي خادم الجامع  Headshot

أبي ورائد الفضاء الذي غاب عنا!

تم النشر: تم التحديث:

عندما كنتُ صغيراً، اعتدتُ الذهابَ إلى التكيةِ السليمانية (في دمشق)، التي كانت حينها المتُحف الحربي الذي كان يعرضُ بعض أنواعِ ِالطائرات القتالية التي شاركت في حرب تشرين.

2016-05-22-1463917333-2189658-____.jpg

رُغم بساطة ذلك المكان وهدوئهِ فإن جمالهُ كان ذا طابع ٍفريد، فقد كان البصمةَ الأشهر للعثمانيين في دمشق، المآذن الرشيقة، والقِباب، والأقواس، وبحيرةُ البط التي كانت تسكنُ قلبَ ذلك المكان ما زالت تصدح باسم مُصمِمها (المعماري سنان).

ما أدهشني أكثر من إطعامِ البط والركض خلف المُصلين في باحةِ المسجد، البزةُ الزرقاء اللون وكبسولةٌ فضائيةٌ كتب عليها (CCCP) ، حملت على متنها رائد الفضاء السوري (مُحمد فارس) ابن مدينة حلب في رحلة عودتهِ إلى الأرض.

2016-05-22-1463917782-3045646-1718.jpg

كنت أمضي وقتي مدقِقاً في تفاصيلها، باحثاً في حناياها، يتحرك في دماغي الصغير آلاف الأسئلةِ التي كنت أكررها على مسمع أبي، الذي كان يُجيبني بكلماتٍ بسيطة مِلئُها الفخرُ والاعتزاز، كونَ رائد الفضاء العربي من بني جلدتنا (محمد فارس).

2016-05-22-1463917818-2928064-soyuztm3_backup.jpg

مضت الأيام والسنون وتحول ذلك الاسم إلى حلم خالد في خيالي، يخوضُ غِمار الرحلة التي خرج فيها من الأرض إلى الفضاء وأقام بحوثهُ وتجاربهُ التي أطلق عليها أسماء سورية.

سُحبت البزة والكبسولة من زاويتها في المتحف وبقي الفارس في خيالي، وما زلت من تلك الزاوية أرى الفضاء.

في صباحِ اليوم العالمي للفضاء دخلتُ غرفة الاجتماعات في عملي، وفي تلك اللحظات عاد بي الزمن 20 عاماً وكأني الآن أقف أمام تلك البزة والكبسولة لكني كنت أقف في الغرفة أمام اللواء محمد فارس.

تحت الهواء وخلال الفاصل، كنت أنتظرُ قدومه بشدة، دخل إلى الاستوديو وكنت أشرح للزملاء عن ما يعنيه لي (محمد فارس)، رغم خبرتي بالإخراج لم أستطع أن اصفَ لهم تلك الصورة التي رسمها خيالي حينها، فقد كانت صورةً واسعةً باتساع الفضاء.

عند دخوله للاستوديو لم أستطع أن أخفيَ دهشتي، بقامتهِ الممشوقة، وأناقتهِ، وابتسامتهِ رغم أعوامه الستين.

صافحتهُ وأعطيتهُ بعض التعليمات البسيطة للتوجه للكاميرا وطريقة جلوسه، ثم عدت إلى غرفة التحكم، وخلال دقيقة ونصف كنا على الهواءِ مباشرةً، المقابلة استمرت ما يقارب الـ20 دقيقة، كنت أستمع وأتابع كل كلمة يقولها عن رحلته إلى بالفضاء.

في زيارته التالية قلت له مالم أستطع أن أقوله في المرة السابقة، ساعةً قضيناها كانت كافيةً لتخط لي حدود الأفق الذي رسمهُ أبي في مخيلتي.

(الفضاء هو المكان الأخير الذي تنصب فيه جميع العلوم) هذا ما قالهُ في نهايةِ حديثه مؤكداً على رسالتنا ودورنا ومسؤوليتنا تجاه أجيالنا القادمة، التي وللأسف مغيبةٌ وبشكلٍ كاملٍ عن علوم الفضاء والكون، تكلمنا عن الخطوات المجدية التي يجب أن نتبعها ونبدأ بها لنصل بهم الى سويةٍ عاليةٍ في علومِ الفضاء والتقدم في باقي المجالات.

كان يتكلم وكنت أنظرُ إليهِ متأملاً كم غيبت الأرض والناس من روادٍ مثله، وكم من محمد فارس تحتاج شعوبُنا لينهضوا بها ويصلوا عنان السماء.

أبي...
عشرونَ عاماً مضت وما زلتُ أرى سيارتنا وأذكرُ أيام الجمعة وزيارة الأموي والتكية وصلواتنا، وأرى البزة والكبسولة هنالك، لا أعرفُ طريقةً أشكُركَ بها أو كلماتٍ كافيةٍ أعبّر بها، فكم من بطلٍ سوريٍّ زرعت حُبه في خيالي وكم من شخصيةٍ عظيمةٍ أنبتَ بذورها في خيالي، آملُ أن أكونَ مصدرَ فخرٍ وسعادةٍ لك بلقائي بهم.

2016-05-22-1463917104-6002897-13282272_10154230233345127_741450570_n.jpg

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.