المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شادي أبو عياش Headshot

عن الانتفاضة الخلاقة

تم النشر: تم التحديث:

في مقتبل كل انتفاضة أو هبة شعبية فلسطينية تزدحم الساحة السياسية والإعلامية بالتحليل والتمحيص حول سمات هذا الحراك ومن يقف وراءه وتسميته ومدى فرص استمراريته وامتداده، وغير ذلك من المواضيع المتصلة، والتحرك الشعبي هذه الأيام ليس استثناء، رغم تميزه بعدة عوامل أبرزها أنه جاء على شكل عمل شبابي فردي وجماعي دون رأس قيادي، يصاحبه زخم إعلامي الكتروني شعبي له إيجابيات وكذلك سلبياته على المستوى المعلوماتي.

فيما جاءت الكلمة المقتضبة لرأس الهرم السياسي بمثابة غطاء سياسي داعم لهذا التحرك. بينما سمة الترقب والجمود لا زالت تعتري مواقف الأحزاب والفصائل لأسباب تعود ربما لرغبتها باستكشاف أين ستتجه الأمور، ولأسباب موضوعية متعلقة بفقدانها المصداقية الشعبية وبالتالي عجزها عن رفد هذه التحركات بأي زخم شعبي وقيادتها.

إلا أن الهدف النهائي من التحرك الشعبي سواء تحول إلى انتفاضة شاملة ام بقي بشكله الفردي بوتيرة مختلفة هو الأمر الغائب في النقاش الداخلي الفلسطيني. صحيح أن هذا التحرك طالما كان محور نقاش وهو متوقع منذ زمن. الا أن الهدف منه كان يختلف باختلاف توجهات المحللين. فالمختلفون سياسياً ونفسياً مع وجود السلطة الوطنية كانوا يراهنون على أن تكون الانتفاضة القادمة موجهة ضد هذه السلطة وصولا إلى حلها، فيما يرى قسم لا بأس به من أصحاب التفكير السياسي التقليدي من نخبة السلطة أن أي حراك شعبي هو مفيد لما يمكن أن يمثله من أداة ضغط يمكن أن تستثمر سياسياً في أي نقاش مع الوسطاء او عند اجراء مفاوضات سياسية مستقبلية.

صحيح أن العمل الميداني لابد وأن يتبعه حراك سياسي للوصول للهدف المنشود، إلا ان استعجال قطف الثمار السياسية من هذا الحراك ربما يعود بالضرر أكثر منه بالنفع، خاصة إذا وقعت القيادة السياسية بخطأ التجاوب مع أي مقترحات غربية تسعى لإنقاذ نتنياهو. وقبل التفكير بتطوير هذا الحراك الميداني إلى انتفاضة شاملة، او الاستعجال بقبض الثمن السياسي له، ربما الأحرى بالفلسطينيين الآن الدخول في نقاش داخلي حول ما هو الهدف النهائي لثورتهم. فهل لا زال مشروع دولة حدود الأرضي المحتلة عام 1967 ممكناً ومرغوباً، أم أن الحل العملي الواقعي الذي يتهرب النظام الرسمي الفلسطيني من طرحه بقوة حتى الآن يتمثل بالعودة إلى جذور القضية والمطلب الفلسطيني الأول منذ النكبة، دولة واحدة على حدود فلسطين التاريخية لكل مواطنيها.

رغم أن حراك أبناء القدس والتحركات الشعبية المساندة لهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي عواصم عربية وغربية، لم يكمل شهره الأول بعد، الا ان من أبرز ما أنجزه شبان القدس على المستوى قصير الأمد أنهم أعادوا بوصلة الاهتمام الداخلي والخارجي بالقدس، ناهيك عن اسقاطهم فكرة أن المدينة هي عاصمة إسرائيل من الوعي الجمعي الإسرائيلي.

أما على المستوى الاستراتيجي فإن انتفاضة أبناء القدس يمكن النظر إليها باعتبارها فرصة لإعادة طرح المشروع الوطني كله والهدف النهائي للثورة الفلسطينية على طاولة النقاش الداخلي. فقبل أن نقرر السير قدما بانتفاضة شعبية، لا بد وأن نتفق على وجهتنها والهدف منها، عبر إعادة تعريف هدفنا في ظل المتغيرات السياسية الداخلية والإقليمية.

قد تختلف الحركات السياسية عن الحركات الاجتماعية في بيئة عملها وأهدافها طويلة الأمد، الا ان كلا النوعين من الحركات لابد وأن يتحسس وجود ويلتقط الفرص السياسية التي تمكنه من احداث تغيير سواء على المستوى المؤسساتي او تحقيق جزء من أهدافه الاستراتيجية ضمن موازين القوى مع الخصم.

وأجزم بأن أبناء القدس بانتفاضتهم ومعهم بقية شبان الجامعات والمدارس في الضفة قد وفروا للنظام السياسي بل وللشعب الفلسطيني فرصة سياسية لإعادة صياغة المرحلة المقبلة، عبر العودة لجذور القضية كقضية أرض سليبة ولاجئين لابد وأن يعودوا إلى بيوتهم وأرضهم. لذا فقبل الحديث عن انتفاضة شاملة تكنس الاحتلال او تنجز المشروع الوطني بالحرية وتقرير المصير، فإن صياغة الهدف والخطاب المرافق له، هو الأولوية الآن.

وفي هذا السياق، فإن إعادة تفعيل العمل الشعبي الفلسطيني بالتزامن مع إعادة توجيه بوصلة النضال نحو المطالبة بكل وضوح ودون دبلوماسية سياسية بالعودة إلى يافا وعكا، لا بد لحركة فتح أن تتعافى من حمى الترقب التي اصابت الأحزاب السياسية الفلسطينية كافة. صحيح أن فتح التي أصابها من الوهن ما أضعف قدرتها على أن توجه الساحة السياسية والميدانية كيفما أرادت، إلا أن هذا التحرك الشعبي هو أيضا فرصة للحركة-خاصة فتح الميدانية من شبيبة جامعات واتحادات وإقليم وليس فتح الرسمية-لتعيد التفكير بصياغة دورها ونزع صفة حزب السلطة عنها لتعود حركة شعبية تقود الميادين والمنتفضين.

عودة فتح لتمارس دورها الطبيعي الطليعي هو مصلحة فلسطينية وليس فتحاوية فحسب، فكما اثبتت الانتفاضتان السابقتان أنه لا يمكن أن تكون هناك انتفاضة شعبية زخمة دون قرار من فتح، وبالتحديد من قواعد الحركة. ورغم المشاركة الزخمة لطلبة الجمعات وأبناء شبيبتها، الا ان فتح لم ترم بثقلها الأكبر في الميدان بعد.

بمعنى آخر إن من أبرز ما انجزه شبان القدس أنهم وفروا الفرصة الاستراتيجية لنا لنعيد صياغة هدف التحرر الوطني باتجاه العودة لجذور القضية. إن هذا الحراك الخلاق بأشكاله وتفاعلاته وارتداداته محلياً واسرائيلياً يمكن النظر إليه كممهد لانتفاضة التحرير الشاملة التي لا بد وأن يسبقها نقاش داخلي حول وجهتنا أولا وأسلوب الكفاح، في وقت لا بد ان يحمل شباب فتح في الجامعات والمعاهد والاتحادات والاقاليم مسؤوليتهم في التمهيد للشوط الاخير من رحلة التحرير.

وهذا يندرج في إطاره الكثير من العمل الميداني والاجتماعي والسياسي، يتضمن إنعاش روح المشاركة الشعبية الميدانية ومشاركة مختلف أطياف المجتمع في العمل الوطني سواء عبر اللجان الشعبية او العمل التطوعي، إلى جانب إعادة صياغة الخطاب الوطني التعليمي في المدارس والجامعات وكذلك الاعلامي، وإعادة بناء جسور التنسيق مع الأحزاب العربية والغربية وحركات التضامن العالمي وبخاصة حملات مقاطعة إسرائيل. بمعنى آخر، البناء على هذه الحركة الشعبية الحالية وإعادة إنعاش روح الانتفاضة الأولى بأدوات العصر الحالي يمكن أن يمهد الطريق لانتفاضة شاملة تصل إلى مبتغاها السياسي.

إعلاميا: رغم السلبيات التي رافقت الزحمة المعلوماتية التي تملأ الفضاء الالكتروني وبخاصة مواقع الاعلام الاجتماعي، من حيث تشتت الجمهور بأخبار ثبت عدم صدقها، او نقل صورة مغايرة لما يجري ميدانياً، الا ان هذه الكثافة المعلوماتية قد نقلت العديد من الاحداث المباشرة سواء تلك المتعلقة بحوادث الطعن او الاعدامات الميدانية الإسرائيلية او المواجهات على حواجز الاحتلال مباشرة إلى شاشات الهاتف والحاسوب-وبالتالي اقحام المواطنين في الحدث وتفاصيله. ولم تعد الصورة او النص هما سيدا الموقف، بل إن مقاطع الفيديو استحوذت على مساحة واسعة من المواد التي تنقل الاحداث الميدانية. وربما يصلح الحديث عن هذه الانتفاضة انها الأكثر تأثرا بالإعلام والتطور التكنولوجي الذي رافقه خلال السنوات الماضية -Mediatized Intifada-.

وعن الفوضى المعلوماتية المرافقة لهذه الزخم من المعلومات، فإن الحديث عن ترتيب الفوضى الإعلامية الفلسطينية، هو ضرب من المستحيل. كل مواطن يعتبر نفسه مراسلا صحفيا في ظل توفر أدوات الإعلام (كمبيوتر وحساب على مواقع التواصل الاجتماعي)، ولا مانع لدى العديد من المستخدمين من أن ينشروا اخبارا قد لا تكون صحيحة، الا ان الرغبة في المشاركة وحتى لو الكترونيا تطغى على التفكير بمحاذير نشر الاخبار قبل التأكد من صحتها. وهنا، فان التنظيم الميداني للحراك الشعبي لا بد وأن يفرز لجانا ميدانية في المخيمات والقرى والمدن تعنى بتنظيم الحالة المعلوماتية ميدانيا. فالميدان هو الذي ينتج الخطط اللازمة، من ضمنها خطة استخدام الاعلام، وليس العكس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.