المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شادن عبد المجيد Headshot

في غار الدهشة.. مظلّة

تم النشر: تم التحديث:

(1)
نغادر..
اختبأتُ في الحافلة، الحياد تجميل للهروب. النافذة بمحاذاة كتفي اليسرى، تُسرّب الأيادي التي تلوّح لنا وداعاً، أيادٍ لم نكد نعرف أصحابها، بالكاد رأونا.

بموازاتي تجلس إيمان، تركنُ يدها إلى يمينها حيث النافذة التي تدفع بالوجوه إلى الداخل. من النوافذ المُغلقة تأتي العيون، تقف هناك في حالة من فضولٍ وانكشاف.. تجابه العُزلة. كانتا عينين واسعتين، غمس البؤبؤ الأسود المُضيء موطنه بهما، واحتمى بجفونٍ قد ألفت من النّظر الاتساع.. طفلة عجزتُ عن تقدير عمرها، شغلني الجمال عن الرّقم.. لماذا نقعُ فيه؟

أطلّت بشعرٍ طوّعَ مُفرغاً من انسداله، وبسمتها تكاد تُرى.. مدّت أصابعها تتلمس خاتماً كبير الحجم وضعته إيمان، كان مرور الأصابع أشبه بملاطفة الدهشة، خفيفاً ملازماً للإقدام المتحرر من العيون.. نزعت إيمان خاتمها وناولتها إيّاه.. أمسكته بيدها التي تعلّق بها الفرح.. رأيته هناك عند النافذة اليمنى حيث لم أجلس أنا.

(2)
كُنّا قد وصلنا المخيّم ليلاً.
سلب الليل منّا فتنة المكان، لكنّ الحواس إذا ما أيقظها القلب لا تغفل! صوت المكان طاغٍ للقدر الذي يمنع الزائر من الاعتقاد أن الليل من يسيطر عليه، إنما هو قد تغطّى.. أو غلّق على نفسه الأبواب.

استيقظتُ قبل الخامسة بقليل، كنت قد انتظرتُ الفجر منذ وصلنا. تجاهلتُ السّتارة، صلّيت الفجر أولاً تحسباً من الوقوع في قبضة الشّرفة إذا دخلتها.. ثمّ وقعتْ. تكشّفت أمامي زرقةٌ دافقة كأنها الحياة المولودة من الحياة، خضرة تُعربدُ على المسافات كلها، تستدرجك حتّى تلوذ بك.. راودني الغار، نلوذ به كالرّسل نُمهّد لقلوبنا تنزّل الجمال. قلتُ: الطبيعة امرأة تختال في قلب الناظر إليها. يراها فاتنة، طريّة، طيّعة في الوجدان.. هي ذاتها الثائرة، في تكوينها المُستمرّ.

(3)
نزلنا درب البحيرة.
لو كان للقلب أزرقه.. الأزرق المبحر عنّا يملأ فراغاً وقعت به الطبيعة. جلستُ وإيمان تحدّثنا عن الخوف، وعبد الحليم يغني: "بحياتك يا ولدي امرأةٌ عيناها سبحان المعبود"، تركنا المخاوف العالقة وصرنا إلى عبقريّة الكلمات والنّصوص "ستفتِّش عنها يا ولدي في كل مكان وستَسأل عنها موج البحر وتسأل فيروز الشّطآن، وتجوب بحاراً وبحاراً، وتفيض دموعك أنهاراً وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجاراً ..."

عدنا من متاهة التأويل سالمين، حين بدا بالبحيرة قارب يحمل طفلاً صغيراً يلقي خيطاً رفيعاً في الماء، كان صيّاداً.. لم يقل لنا ذلك، لكنّنا حين صوّبنا عدسة الكاميرا إليه مشدوهين لصغر سنّه وصغر زورق صيده، رفع راحتيه بعد أن اغترف من القارب ما صاده من أسماك ورفعها إلى العدسة، كأنّه يقول: لست صيداً وصيدي في يديّ..

(4)
اهتدت عصا الخيزران إلى يده.
وراح يسير هناك، يطوف في المسافة بين كوخ محاضراتنا وإطلالة البحيرة، خطوات بطيئة ليّنه، كأنّه في لوحة الطبيعة. كان فيه شيء من الحزن.

جلسنا في فرق لإتمام أفلام التخرّج، علت أصوات وجودنا بين ضحك وجدل، من بعد أيامٍ قضيناها مُصغين إلى محاضرات الأستاذ أسعد طه.

جاءنا مُداعباً تجاوزه صوته- أسمعه وإن صمت، يزرع في داخلي أشياء كثر. اقترب وبيده عود من خيزران، يومئ بها نحونا، وقلبه يُمازح: العقاب سوف يحلّ عليكم أن لم تنهوا المهمة.. مضحكة الخيزرانة، لا تزال تضحكني، ماذا تفعل في يد غارس كلمة!

(5)
قال المطر كلمته، من دهشة السّماء ولدتُ.
بِمظلةٍ وقفتُ، أسندتُ عينيَّ لرجلٍ يروي حكايته. بدأت الرؤوس تتجمع من حولي، وأجسادُ الأطفالِ تحتكُ بي حتى اندرج تحت المظلة ما تيسر منها. بعضهم امتدّت يده إلى يد المظلة تفرضُ وجوده عليها. وأنا أحدّق في الرّجل طمعاً بالحكاية، كأنّ لا حكاية تحدث..

تحت المظلّة كانت الشّجاعة تقف، لا تعرف ريبة الغريب، ولا تعني الهواجس لهم سوى كيف يملؤون الفراغ الذي خلّفته المظلة. وبدأ الهمسُ يلامس أذنيّ يُلازمه شيءُ من الحركة، أوجبني النّظر للعيون فابتسمت. وعدتُ إلى الحكاية التي أفلتت مني.

اشتدّ المطر كأنّه لم يكن، وسكان مظلتي ينظرون نحو زملائي الذين يحاولون التملّص من البلل، ويلمزون ضاحكين.. سرعان ما تعالت القهقهة على سرديّة الحكاية، وانفجرت الشهقات فرحت أُقهقه وإيّاهم كأننا نملك أمر الطبيعة والمطر!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.