المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف الله حسين الرّواشدة Headshot

بكل فخر (فقه فلسطين)

تم النشر: تم التحديث:

راودتني نفسي كثيرًا في الكتابة عن فلسطين، أن أكتب عن تلك البقعة العزيزة من الأرض، عن ذاك المسرح الذي احتضن دور البطولة في التاريخ، وأن حاضرنا ومستقبلنا هما نتائج هذه الأدوار، عن تلك القضية التي نعيشها ولا تعيشنا، عن ذاك التراث القادر على شرح المعقد بالبساطة فقط، أن أكتب عن الإنسان الفلسطيني، وكنت في كل مرة أهرب من كل هذه الأفكار، ففلسطين كلمة تختزل كل هذا وأكثر، فلسطين حقيقة كبرى قائمة بذاتها هناك، صدمة لا تحيط بها أبجديتنا أو كلماتنا، كنت أتحاشى الكتابة عنها وعن سيل اتهامات الخيانة التي توزع مجانًا إذا جاء ذكرها، وعن التعقيدات التي تطمس الحقيقة البسيطة، وإذا أردت كنت أخاف الكتابة عنها، وهي الطيف الذي لا يفارق أبدًا، لكنني اليوم أفهم رسالة كتبها شيخ الأردنيين (وصفي التل) يوما وآخر كلماتها كانت "بكل فخر أنا أكتب إليك من فلسطين" فهمتها حين فهمت الكتابة والكلمة، حين علمت أن الكلمات هنّ رسل الله للناس، وأنهنّ قوالب الأفكار والأخيرة تبدأ أنها (نحن) وتنتهي أنها (واقع) ما نعيشه، وأن الكلمة هي فعل الخلق وإرادته وأنها تتأثر بالمكان فتتجلى روحها فيه وتعكس مكانه منك ومكانك منه، وأن الكلمة سماء تخومها (مانعلم) وآخرها (ما لا نعلم) ولأجل كل هذا أنا المسلم، الإنسان، العربي، بكل فخر أكتب لنفسي ولكم عن فلسطين.

ولأجل ما سلف واحترامًا للكلمة، لن أكتب عن الوعود المشؤومة أو عن المؤامرات التي تحاك بالخفاء، أو عن الهزائم المتلاحقة أو عن القومية التي حصرت فلسطين بمن شاء القدر أن يسكنها في ذاك الزمان في نهاية المطاف، ولن أترافع في محاكم تهم الخيانة التي توزع جزافًا، فقد أشبع غيري كل هذا وزاد فيه إسهابًا وإطنابًا وشططًا، ولكنني سأكتب عما يختلج بالقلب إذا سمعت أغنية فلسطينية، عن تلك التنهيدة الحزينة وهذي الغصة إذا غزت صور حيفا أو يافا أو عكا أو جنين أو نابلس أو الناصرة أو رام الله أو الخليل أو طول كرم أو بيت جالا أو القدس الذاكرة أو سمعت عنها ذكرى وخبراً، هي ذاتها التي تغتال النفس و الحياة في صدرك، إذ نظرت إلى عيني عجوز في أي مخيم يعاتب نفسه والجميع على ما حصل، سأكتب عن منطق بسيط جدًا ( أرض احتلت واحتل أهلها قهرت كما قهروا) سأذكركم ونفسي بسؤال بسيط، سنُسأله يوم القيامة، يوم يكون السائل أقرب إليك من حبل الوريد، يوم تكون سقر لواحة للبشر وتضج السموات ب: ماذا فعلتم لفلسطين؟

في البدء دعونا نتفق أن فلسطين ليست لمن ولد جده فيها عام 1900 وأنها قضيتنا جميعًا وأن الفرقة هذه ما زادتنا إلا ضعفا ووبالًا، فنحن قوم نعبد الله ونتكلم العربية ونتقاسم تاريخًا وتراثًا واحدًا، فإذا سلخنا نفسنا عن كل هذا خرجنا من جلدتنا فلا عرفنا أنفسنا ولا عرفنا الناس، وأننا نحتاج لعقيدة نحكمها بكل أفعالنا ونقيس عليها أفكارنا نكون كلنا في خندقها سفراء للعالمين، ومن هذه النقطة بالذات تكتب أول أسطر فقه فلسطين.

وإني لو قصصت عليك أن بقعة من الأرض احتلها شعب غريب على المكان والزمان وفي هذه البقعة أولى القبلتين وثالث الحرمين لأهل البلاد وبقيت محتلة 66 عامًا وفي القوم قوة وبأس ومازال أهل تلك البقعة يقتلون كل يوم ومنهم من يريد قوت يومه فقط، وأن القوم يختلفون على ما يظهر من المرأة ولا يعلمون ما كتب الأجداد في العقيدة وجل ما فهرس من تراثهم أقل 10% وكيف يعلمون ويفهرسون وقد فصلت كل شرذمة منهم دينا على قياسها وجنةً ونارًا، وأنزلوا عن أكتافهم تراثًأ إنسانيًا حمل البشرية من العتمة إلى النور فهمه أعرابي دخل على كسرى ولم يفهمه جهابذتنا اليوم الذين لا يريدون أن يمتوا له بصلة، وأن البقية يذكرونها في نقاشات المساء فقط ويتشدقون بأحكام الواقع وعلامات يوم القيامة، وأن نساء الأقصى والأطفال هناك هم من يذودون عن تاريخنا وكرامتنا، وأننا نحن البقية نحارب الأوهام في كل زاوية مظلمة، وكلنا ولا أحد منا الفرقة الناجية، لسألتني عن أي فيلم خيالي سيء الكتابة والإخراج أتحدث، ولقلت لك: هذا فيلم أمتي، وتاريخها الذي سيقرأه أحفادي وأحفادك، ولا أدري ماذا سيقول عنا هؤلاء الصغار وبماذا سينعتوننا؟!

لما احتلت فلسطين إبان الحملة الصليبية لم يحررها صلاح الدين يوسف كما يظن البعض، بل حررها الإمام الغزالي لما أراح الخليفة العباسي اللاطم وجه مسيل التراب في جيبه من أعباء الهزيمة والتحرير، مقابل تدريس الفتية بحرية وإنشاء جيل جديد على عقيدة سلمية جاء منه عماد الدين، و نورالدين، وصلاح الدين، ولو لم يأت هؤلاء بالتحديد لأتى غيرهم مع ما تحمله الشخوص من صفات مخصوصة، ولا تعجب فمزاج الأمة وقتها يوجب ذلك ويحتمه، وسبب هذا المزاج إجماع الأمة على عقيدة واحدة، ووحدتها في صف واحد لفلسطين فيه حصة من الجميع من الصغير والكبير من الرجال والنساء.

لاتظن أني أطلب منك اليوم أن تحمل بندقية وتذهب للحرب ولا أن توقف حياتك لفلسطين، فلا ذهابك ببندقيتك (التي صنعها غيرك) اليوم ينفع ولا يصلح أن توقف حياتك ولا يجوز، ولكن دعونا أولًا نتوحد خلف وفي عقيدة تجمعنا ننتج من تنظيرها برنامجًا نكون كلنا له مخلصين وبه مؤمنين، وبعدها لنصنع من أنفسنا ومن أبنائنا جيل الإنسان المؤهل لحمل موروثه الحضاري و القادر على الزيادة عليه، لا أطلب منا المستحيل فكلنا سيربي أبناءه وكلنا يريد أن يربي نفسه ولا عليك إلا أن تجعل لفلسطين حصة من هذا وبعدها دع هذا الجيل يتعلم عن فلسطين عن تاريخها عن أرضها دعه يفرق بين بيت المقدس الواردة في التوراة وبين إيليا التي كانت لها العهدة العمرية، دعه يعلم من بنى المسجد الأقصى، دعه يعلم قصة كل حجر على هذه الأرض. وابن أنت وهو أرضك وبلادك لتمتلك أسباب القوة والبقاء وإيمانك بعقيدتك سيكون ترياق الفساد والخيانة وغيرها من الآفات.

علم نفسك وأولادك ما كتبه أجدادنا وما علموه، لتعلم حفيدك من أنت وأي إرث تحمل ليعرفك بعدها العالم، علمهم ونفسك فقه العلم وقواعد تحصيله عن المسلمين، وكيف أنتجت تلك العبقريات ما أنتجت وقت كانت حواضرنا حواضر العالم ولغتنا التي نستحي منها لغة العلم، علمهم فقه القوة الذي وضعنا نحن قواعده وفقه السقوط الذي كتبه أجدادنا لنا، ليكون ما يعصمنا وضيعناه نحن، علمهم فقه الموت حتى لا يخشوه وليعلموا أنه سر الحياة وسببها، ليعلموا كيف كنا نحب الموت حبًا للحياة، كيف كنا نعمّر الأرض ولا نيأس من روح الله ونشتاق للقياه، علمهم ونفسك من العدو وكيف يفكر وبماذا يفكر علمهم عن توراته وماذا تقول عن العرب والعماليق والملك الحارثة ووزير كسرى العربي، وعن بروتوكلاتهم وعن تلمودهم، علمهم سنن الله ومنطق السماء ونواميسها لا تستغرب ففلسطين هي خلاصة الأفقاه كلها، فلسطين علامة العافية.

باختصار شديد فلسطين علامة عافية الأمة، وعافية الأمة من دون عقيدتها ومنظومتها الأخلاقية لا سبيل لتحصيلها، افهم موروثك وكن حقيقًا به لتزيد عليه وتبز عدوك علمًا ومعرفة وقتها تكون فقهت فقه فلسطين وقتها سيكتب إنسان مسلم عربي غيري فقه التحرير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.