المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف الله حسين الرّواشدة Headshot

لماذا غربتمونا؟!

تم النشر: تم التحديث:

و أنا اليوم ولأوّل مرّة أكتب من خارج الأردن، وكنت قد عاهدت نفسي أن لا أعود للكتابة مرّةً أخرى، أجدني أعود حادبًا على أوراقي لأكتب للأردن، لأكتب لبلادي التي علمت لمّا غادرتها أنّ لا سماء إلا ما أظلّتها وأن لا أرض إلا ما وقفت عليها أقدام أبي و جدّي، أكتب اليوم لحفنات التّراب التي حملتها معي من عمّان لتكون عونًا لي في الغربة و قبلةً لروحي تدور بي دورة صوفيّ مسّه ولعٌ تعانق عينيَ قبل أن تنام على كفّي وتحملني، أكتب لعمّان التي أرى بين جبالها وجه أمّي وتفاصيل كفّ أبي في سمائها.

أكتب لبلادي التي أحملها بين أضلعي أينما حللت، أكتب لكلّ وجهٍ أردنيّ لقيته في بلاد الغربة، ذكّرني بوجه وطني، أكتب لأحمد الجريري وخالد الدّرادكة وأحمد العتيبي وغيرهم، أكتب لمن اضطرني للغربة، أكتب للأردن الذي كل هذا و أكثر، هو فسيفساء وجهه الكريم. سبب الاغتراب بديهيٌّ جدّا، وهو سوء الأوضاع الاقتصادية و قلّة فرص العمل، فنسبة البطالة في الأردن تتراوح بين 13% و 32% تبعًا للجهة القائمة على الدّراسة والدّين العام يقارب 23 مليار دينار أردني و يوازي 90% من النّاتج المحلّي الإجمالي، وعجز موازنة سنة 2015 يقارب 1.82 مليار من أصل 8.1 مليار دينار أدرني، ويوازي 22.4% من الموازنة، و 6.5% من الإنتاج المحلّي الإجمالي، والجامعات والمعاهد تخرّج سنويًا في وطننا ما يقارب 100 ألف باحث عن العمل وفي المقابل اقتصادنا على أفضل التقديرات لا يقدّم أكثر من 55 ألف فرصة عمل سنويًا و أنّ 62% من العاملين لا يتجاوز دخلهم 400$ شهريًا، هذه الأرقام تقدّم للجميع، أصحاب الباع الطويل بعلم الاقتصاد أو من يسمع بها لأوّل مرة في حياته، تقدّم لهم هول المصيبة ومدى فداحة الموقف، ونزيد على ذلك أنّنا مقبلون على تحديات جديدة لعام 2015 منها تسديد سندات بقيمة 750 مليون دولار وتوقّف روافد احتياطات العملات الأجنبيّة من قروض خارجيّة ومنح استثنائيّة، وهبوط أسعار النّفط التي ستقنن الدّخل الضّريبي بقيمة 100 مليون على التّقديرات المتوسطة دون النّظر إلى تداعياتها بعيدة المدى من تدهور اقتصاد دول الخليج المانحة لنا والمستثمرة الكبرى على ساحاتنا الاقتصادية والمحتضنة لمغتربينا.

كل هذا يحمّلنا إلى عام 1989 لمّا رُسمت خطّة إعادة هيكلة الاقتصاد الأردنيّ وإلى ما هو الخطأ في بنيتنا الاقتصادية؟ وهل اخترنا النّموذج الاقتصاديّ الصّحيح؟ قبل عام 1989 كان نموذجنا الاقتصادي أقرب ما يكون إلى النّموذج (الكينزي) وهو نموذج الهدنة بين الرّأسمالية النّقية، وبين الشّيوعية النّقية، يقدّم بين طيّاته سوق حرّة مضبوطة بسلطان الدّولة مع طبقة وسطى مزدهرة يقف خلفها دعمٌ حكوميّ في مجالات الصّحة والتّعليم وتحديد الأسعار ودعم وحماية للصناعة المحليّة من المنافسة العالميّة إلى غير ذلك ممّا يشبه اقتصادات الدّول الإسكندنافيّة اليوم مع فارق التّطور والشّبه في العقيدة والفلسفة، ولظروف عام 1989 وظلم ذوي القربى وقع اقتصادنا في أزمة وصدمة كانت من رسمت حاضرنا اليوم، وتحوّلنا التّدريجي إلى مدرسة فريدمان التي يدعمها البنك الدولي وصندوق النّقد صراحةً، وهي التي تحلم بالرّأس ماليّة النّقية تلجم التّدخل الحكومي في السّوق وتطالب بتحرير الأسعار وتفتح باب خصخصة القطاع العام وصولًا إلى حكومة مفرغة يقتصر دورها على الإدارة والخطوط العريضة من الدّفاع إلى القضاء فقط، ولو وجدت لخصخصة هذا سبيلًا لما تأخّرت، خصخصة تُعيد توزيع الثّروات العامّة على فئاتٍ مخصوصة وتضع الطّبقة الوسطى تحت رحمة رؤوس أموالٍ لا يمنعها شيء من الرّحيل متى أرادت، تؤمن هذه المدرسة بالصدمة أو الأزمة لتحقيق مبتغاها وتؤمن باختلاقها إن لم توجد، لأن الأخيرة لديها القدرة السّحريّة بفرض ما كان مستحيلًا البارحة على النّاس اليوم بفضل واقع الأزمة فالضّرورات تُبيح المحظورات، والضّرورات هنا شبح سقوط قيمة العملة أو ارتفاع نسب التّضخم، ويكون الموجب والمشرّع لكلّ هذا هو صندوق النّقد المانح للقروض التي لابدّ ولا محيد ولا مناص عنها ومنها، فيشرّع بفرض الإصلاحات الاقتصادية التي تحوّل النّماذج الاقتصاديّة إلى نموذج فريدمان، ويطالب بتقشّف الإنفاق الحكومي ورفع الدّعم وزيادة الضّريبة (ففي الأردن مثلًا طالب الأخير برفع المدخول الضّريبي من 4% إلى 8%) وتحرير الأسواق وفتحها أمام المنافسة العالميّة وخصخصة القطاع العام وغيرها ممّا جرى لنا و يجري وممّا ذاقه قبلنا من دول أمريكا الجنوبية ونمور آسيا وبولندا وروسيا (إبان انهيار الاتّحاد السوفيتي)، ولكن كلّ هذه الإجراءات لم تعد على اقتصادنا إلا باستقرارٍ نسبيّ قد يُعزى فضله لها أو لما تبقّى في نموذجنا من بعض ملامِح النّموذج الأوّل.

أظنّ أنّنا نحتاج لوقفة نراجع بها أنفسنا، نراجع قراراتنا الاقتصادية، و أعلم أنّ أمام عولمة السّوق وحريّة تنقّل رؤوس الأموال والهجمات الضّارية على قيم العملة والانهيارات السّريعة والاعتماد على القروض والمنح ونسب المديونيّة المخيفة ستكون هذه الوقفة صعبة وتحتاج إلى صلابة وشجاعة وثقة متبادلة بين الشّعب وحكومته، لكّنني أعلم أنّنا نستحقّ هذه الوقفة، يستحقّها أولادنا وتستحقّها بلادنا، يُطالب بها كلّ مغتربٍ وكلّ عاطلٍ عن العمل، حقٌّ هي لكلّ أردني. قد نكون أخطأنا وقد نكون أصبنا، قد يكون ما نمرّ به اليوم هو الديج الذي يسبق الفجر وقد يكون بداية الكابوس، المهم أن نتوقّف قليلًا لنتفكّر في هذا، أن لا تعتمد حكوماتنا على عقيدة الصّدمة لتخوّفنا وتضعنا بين مرارتين لا حلاوة بينهما، وأن تعطي الفرصة لأبناء الأردن أن يكتبوا بأيديهم مستقبلهم الاقتصادي ومستقبل أولادهم ومصيرهم، أن تمنح الفرصة للعقول الأردنية النّيرة بوضع مدرستها الاقتصادية الخاصة ونموذجها الخاص بعيدًا عن المستعمر من الأفكار والمناهج وأن تراجع ما جرى على مرّ عقودٍ من خطوات الخصخصة والسّوق الحرة وغيرها وتقيمها وتتدارس جدواها. فالنّموذج الاقتصادي لا يتوقّف عند الأرقام الرّياضيّة بل يلقي بظلاله على نماذجنا التّعليميّة والفكريّة ويبرمج إنساننا وفق عقيدته وأولويّاته، فالمال للدّولة كالدّم بالعروق.
وبالنّهاية لا نقول إلا: بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ.. و أهلي و إن ضنوا عليّ كرام
و الله من وراء كل مقصد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع