المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيد عصمت Headshot

هل ترغب الدول المسماة "عُظمى" بديمقراطية حقيقية للدول المسماة "نامية" "1"

تم النشر: تم التحديث:

شعار تتخذه وترفعه الدول التي أطلقت على نفسها دولاً عُظمى، وسعت خلال سنوات طويلة للسيطرة والهيمنة على دول العالم، فبدلاً من الاحتلالات والحروب والخسائر الضارية التي تكبَّدتها تلك الدول على مر العصور، بسبب حروب لاستعمار واحتلال دول العالم شرقاً وغرباً، من أجل الهيمنة، وتحقيق توسع للنفوذ لها جغرافياً بفرض سطوتها وسيطرتها على ثروات ومقدرات تلك الدول، كبدها ذلك الكثير من الخسائر من معدات حربية وجنود وأموال طائلة، كانت تستنزفها خلال تلك السنوات وتلك الحروب، إلا أن الهم الأكبر لديهم كان الخسائر البشرية، فكل جندي لديهم، خصوصاً إن كان يحمل جنسية الدولة الاستعمارية له عائلة تعيش في الوطن الأم، وتحزن حزناً شديداً على فراقه، ذلك لأنها سرعان ما تدرك أن الحرب لم تكن ذات نفع يعود عليها، وليس من أجل حفظ أمنها أو درء مخاطر قد تتعرض لها، ولكن إما لمجد شخصي بتوسيع دائرة النفوذ؛ ليحسب بسجل صاحب قرار الاستعمار والحرب، أو من أجل تقزيم وتحجيم دولة تسعى للنهوض وامتلاك قرارها، فوجب وفقاً لقرار اتخذته تلك الدول بمنع أي دولة أن تكبر أو يكون لها كيان، محاربتها لإضعافها ووضعها تحت السيطرة والهيمنة.

ونتيجة لتنامي الخسائر على مر السنوات بخيار الحرب العسكرية، مما أهدر كثيراً من ثروات تلك الدول، رغم أنها كانت تحقق بالفعل أهدافها، فإن سخط شعوبها عليها ورفع حالة الرفض لتلك الممارسات، بسبب خسارة الأبناء من مقاتلي ومحاربي الجيوش من ناحية، علاوة على فقد كثير من الثروات والأموال من ناحية أخرى، مما قلص من فرص النمو الاقتصادي، وتأثر تلك الشعوب دون الاستشعار بنتائج حقيقية تعود عليهم.

وهنا كان الاتجاه نحو تغيير آليات الهيمنة والسيطرة للحصول على التبعية، فتراجع خيار الحرب العسكرية المباشرة؛ ليكون خياراً نهائياً حال فشل باقي الآليات، وسعت تلك الدول لخلق مجتمع دولي من خلال مؤسسات ومنظمات تقيم دراسات وأبحاثاً على تلك الشعوب، وتغلغلت داخل المجتمعات وانصهرت بها بكل أشكال وألوان الاختلاط، من أجل الغوص بالعقول وفهم ما يدور بها من اهتمامات واحتياجات.

وفضلت تلك المؤسسات كسب وتجنيد أو تجييش عناصر من أبناء تلك الشعوب بعلاقات انتفاعية؛ لتكون من بين صفوف الشعوب، وسعت لكسب أرضيات شعبية وجماهيرية لها، لكسب رضائها وثقتها؛ لتصبح مؤثرة ومسيطرة على توجهاتها الفكرية، فتصبح محركة لها وقت الحاجة، مع الوقت انتشرت تلك المؤسسات تحت شعار البحث عن تحقيق الديمقراطية واستقلالية الشعوب، وما أجمله من شعار براق جذاب للبسطاء الحالمين برغد ورفاهية الحياة التي لا يجدونها إلا في أحلامهم القليلة، فالمحتل فكرياً واقتصادياً واجتماعياً، والجائع في بلادنا -للأسف- لا ينعم بالحلم، فليس من حقه أن يحلم، بل لا يجد وقتاً ينعم فيه بالنوم، فالمخطط انشغاله بقوت يومه حتى لا يبحث عن حقوقه وثرواته المهدرة، ويكون هو وحلمه مستهدفين للمتاجرة من النظم الاستبدادية الديكتاتورية القمعية.

بالفعل تغلغلت تلك المؤسسات، وتحولت إلى مراكز ومعاهد وأكاديميات وأحزاب وقنوات إعلامية ووسائل إخبارية متنوعة؛ لتأكيد السيطرة والهيمنة والتحكم بكل أو أغلب طوائف الشعب؛ ليحاصروه بكل جوانب تحركاته وتعاملاته واهتماماته.


في الوقت ذاته تقدم تلك الدول المسماة (عُظمى) أدوات عون وترغيب للنظم الديكتاتورية؛ لتزيد في طغيانها وقهرها للشعوب، وفي يدها ريموت محرك للمشهد كلياً، من ناحية تكسب ولاء النظام وتتحكم في قراراته، وتزرع حوله عناصر لهدمه، إن تطلب الأمر، أو خرج عن سياق الانصياع والخنوع لها، وزرع بدائل جاهزة لاستخدامها مباشرة وفي أسرع وقت، حال استشعرت أن استمرار ذلك الوجه بات سلبياً، ولا يحقق مصالحها وأغراضها.

ولا تترك تلك الدول الأمور للمفاجآت، بل تتابع وتراقب وتتوقع كل شيء، وتعد نفسها للتعامل مباشرة مع كل المستجدات والمستحدثات من فعاليات وتحركات خارج سياق الموجِّه الفاعل، بوضع عدة سيناريوهات وبدائل بشخصيات ذات وجوه قادرة على إبرازها؛ لتصدر المشاهد بالشكل الذي تراه هي.
(انتظروا الجزء الثاني)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.