المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيد أمين Headshot

الكويت والقوى الناعمة

تم النشر: تم التحديث:

كما كانت دولة الكويت متفردة في منظومة مجلس التعاون الخليجي لإرساء دعائم الحزبية والبرلمانية وتحكيم صوت الأغلبية، والسماح بالتعددية الفكرية والسياسية؛ بل واحترام إرادة الشعب حينما قرر انتخاب بعض الأصوات ذات التوجهات الإسلامية، ولم تلقِ بالاً لأصوات التحريض التي بدت رنانة مؤخراً في الوطن العربي ضد الاعتراف بهذا التوجه، فإنها أيضاً اعتمدت سياسياً على سياسة الحياد الإيجابي في الصراعات الناشئة بدول الوطن العربي عامة والمنظومة الخليجية خاصة.

وهو الحياد الذي تبدّى واضحاً في قضية حصار دولة قطر، وهو حياد اتسم بالإيجابية؛ لكون الكويت لم تقف موقف المتفرج على انهيار المنظومة الخليجية، ولكنها تفاعلت بإيجابية وراحت "تَجبر" مواطن الألم وتسعى جاهدةً دون تمددها في إطار مساعٍ حميدة للمّ الشمل.

وفي الواقع، فإن إيمان سلطات الكويت بالديمقراطية أسهم في تقوية روابط الجبهة الداخلية وخدم استقرار ومصالح الأمن القومي العليا للدولة في محيط عربي عاصف بالتوترات والتقلبات والنزاعات، ولعل هذا الإيمان أيضاً ما جعلها تجنح إلى موقف الحياد الإيجابي في النزاع الخليجي، مع أنه كان بوسعها الانضمام إلى التحالف الأقوى صوتاً، لكن لكونها مؤمنة بأن الديمقراطية فكرة لا يجوز عقاب من انحاز إليها اتخذت قرارها الحكيم.

مواقف الكويت الإيجابية جعلتها مزاراً لكثير من زعماء العالم المؤثرين، مؤخراً، والذين كان آخرهم الرئيس التركي السيد رجب طيب أردوغان، الذي زارها وسط حفاوة كبيرة استقبل بها.

وكما كانت الكويت مركزاً للإشعاع الثقافي في الخليج العربي خاصة والوطن العربي عامة بالتقاسم مع دولة قطر، كانت أيضاً مركزاً للبزوغ الديمقراطي ولحقتها أيضاً قطر، خاصة بعدما أُعلن مؤخراً في الدوحة عن الاستعداد لانتخابات تشريعية.

ويعجبني ويعجب الكثيرين من المثقفين والمواطنين العاديين المصريين هذا النزوع للبناء الثقافي للإنسان الكويتي، خاصة أنها وفرت له مقومات الرخاء كافة؛ بل التميز الاقتصادي، ما يؤكد أنها لم تكن تقصد بتوفير الحد الأقصى من رفاهية المواطن الكويتي صرفه عن العمل العام أو إصابته بالخمول الفكري، وهو ما يتبدى في جميع محافل التنوير التي أنشأتها لتقدم خدماتها مجاناً للجماهير، مقدمةً محفزات الاطلاع والمعرفة.

ومن أهم تلك المراكز الثقافية، مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، وهو ما نسميه في مصر بـ"الأوبرا"، لكنه يتسم بمميزات التنوع والتحفيز، فضلاً عن أنه يقبع في مبنى هائل متميز، على مساحة 214 ألف متر مربع، وتتميز فيه إبداعات العمارة والهندسة الإنشائية الخلابة، وهو مركز يوفر منصة ومنتدى لدعم إبداعات الشباب الكويتي، ويمنح فرصاً للتعليم في المجالات كافة؛ الثقافية والفنية والأدبية، خلال مؤتمرات ويفتتح ورش العمل والندوات، وتبادل العروض الموسيقية المحلية والسينمائية والمسرحية والأوبرالية على مستوى عالمي وفي دولة الكويت والوطن العربي.

وكما عبرت السياسة الكويتية الأزمات العربية من خلال الديمقراطية، عززت الجسور إلى الوطن العربي عبر أحد أهم منابرها التنويرية المتمثلة في "المجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب"، الذي أُنشئ بقرار أميري ليكون منبراً ثقافياً لكل العرب، وهو ما يدل أيضاً على تقدير أعلى السلطة للقوى الناعمة، ومن قيام الكويت بالإنفاق بسخاءٍ عليه في مجال الحفاظ على التراث الفكري والثقافي، عبر ما يقدمه من منتجات فكرية متنوعة ومدهشة، كانت دورية "العربي" -على سبيل المثال- واحدة من أهمها قبولاً وانتشاراً في الوطن العربي.

وهناك أيضاً العديد من الفضائيات التثقيفية، والمواقع الإلكترونية ذات القيمة الخاصة، ويتردد الكثير عن مشروعات ثقافية مهمة يجري التخطيط لها.

وأجد نفسي مضطراً وأنا أتحدث عن "القوى الناعمة" إلى أن أربط بين دولتي الكويت وقطر، واهتمامهما المبكر بالتنشئة والتربية الذهنية والاستثمار في العقول والأدمغة والإعلام التنويري وفضاءاته الأثيرية والإلكترونية، وهو ما أضفى عليهما قوة كبيرة عالمياً تزيد كثيراً عن مساحة أي منهما السكانية أو الجغرافية أو حتى الاقتصادية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.