المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيد أمين Headshot

ريجيني لأُمِّه: إنها بلاد ليست كبلادي

تم النشر: تم التحديث:

أمي الغالية: تحياتي القلبية وأشواقي.. أرسل إليك رسالتي هذه من أبعد مكان في الكون؛ حيث لا وسائل اتصال، وهو المكان الذي يذهب كل واحد إليه بسر يخفيه، ولا يستطيع أبداً أن يعود ليبوح به؛ ليجلي به الحقائق، ويطلق صرخة الحرية للعابرين عبر التاريخ، لكنني الآن جربت ونجحت، وها هي رسالتي بين أيديكم.

أعتذر لك والدتي العزيزة، إنني رحلت من دون أن أودعك، وكم كنت أود أن أعود لأودعك، وأن ألقي نفسي بين حنان أحضانك، لكنهم أبداً لم يمهلوني، فرحلت مجبراً إلى هذا المكان البعيد جداً، ومعي آلاف غيري، ممن لم يودعوا أمهاتهم وآباءهم وأحبابهم.

أنا الآن في مكان لا يكذب فيه أحد، ولا يتحدثون فيه إلا الصدق، ولا أخفيك سراً أنني أعيش سعيداً بالمكان الذي وصلت إليه، وأرسل رسالتي تلك، عسى أن توقظ أصحاب التوافقات والمصالح في عالمكم الفاني، بأن الانتصار للإنسانية أفضل، وخير وأبقى من الانتصار للأحزاب والمصالح التي يطلقون عليها "قومية"، وهي في الواقع انتصارات لمصالح ضيقة.

سامحيني؛ لأنني لم أستمع إليك، وإلى كثيرين من أصدقائي الذين حذروني من الذهاب إلى مصر، فقد أخبروني بأن فيها ملكاً جباراً، يقتل وهو يبتسم، يحرق وهو يضحك، يغتصب وهو يتحدث عن الإنسانية، ثم بعد ذلك يجهر بالشكوى من ضحاياه لكثرة صرخاتهم، وأنهم لا يموتون في هدوء وسكينة.

لم أستمع لهذا كله، اعتقدت أن هذا الملك الجبار قد يستمع لكتاباتي، فيكون مداد كل حرف كتبته مفتاح نجاة تنقذ روحاً جديدة أوشكت أن تزهق، وأن نحمي طفلاً جديداً من أن يقضي بقية حياته من دون أب أو عائلة.

كنت على يقين من أنهم لن يؤذوني فأنا مواطن أوروبي، من بلاد يحج إليها الملك الجبار لأخذ التعليمات الجديدة، فيستقبلونه استقبال الفاتحين، ويعود محملاً بالإعجابات والكاميرات والتعهدات بدوام الدعم والمؤازرة والحماية.

لكن رشاش الفاشية لا يفرق بين خصم وصديق، بين مواطن مصري يسقط ويوارى الثرى، من دون كلمة رثاء أو عزاء، ومواطن أوروبي اعتبرت حكوماته أن هذا النوع من الحكام هو النموذج الأمثل لحكم تلك البلاد.

هذه بلاد جئت إليها متصوّراً أنها كبلادي، بل آمنت بأنها مهد الحضارات وهبة النيل؛ حيث جئت إلى بلاد قال فيها الرب: "مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ" (سفر إشعياء 19: 25)، وكنت واثق أن بركته التي أصابت شعب مصر ستصيبني.

جئت إليها، وكلي أمل أن أساعد هذا الشعب العريق، وهذه البلاد المقدسة العجيبة في نقل صوتهم إلى العالم، ليعلم العالم الغربي المرفه أن هناك شعباً "باركه الرب" يعانى قيود السجان، والحاكم الفرد المنزه عن كل خطأ، ولم أنتبه إلى أنه قال مبارك "شعبي" مصر، ولم يقل مبارك "حاكم" مصر، الحاكم الذي اضطهد وقتل وسبى وذبح، "فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك".

والدتي العزيزة.. أبلغي روما أنه جراء تأييدها مثل هذا النظام، ثمة طوابير من الوافدين إلينا من عالمكم لا تنتهي، وكل يوم يأتي إلينا مزيد من الأبرياء الذين عانوا مثلما عانيت، بل إنهم حرموا حتى من أن يدافع عن ماضيهم أحد، وأبلغيهم أنهم قتلوني كي لا تصل مثل تلك الرسالة إليكم، وكيلا تعرفوا أن الحَمَل الذي تؤيدونه ما هو إلا ذئب.

اعتقلوني حتى لا أنبه العمال إلى حقوقهم، اعتقدت أنها مجرد أسئلة قصيرة، وسأعود إلى مسكني؛ لأني أعلم أنهم يكنون كل الحب، وإن شئت الخوف من الغرباء، ولا يعاملونهم كما يعاملون أهل بلادهم، لكن طال الوقت، فطلبت منهم إحضار سفير بلادي، فرفضوا، ووضعوا جبيرة على عيني، حتى لا أتعرف عليهم إن قدر لي النجاة، ورويداً رويداً بدأوا يتعاملون معي بقسوة وعنف كما يعاملون أهل بلادهم، كانوا يسألونني حول الجهة التي أعمل معها، وكانوا يظنون أني أعمل جاسوساً لتركيا، ألقوا بي موثوق اليدين والرجلين في دورة مياه قذرة، دخل أشخاص منهم وأخذوا يركلونني بالأيدي والأرجل، وبعصيّ خشبية على أجزاء متفرقة من جسدي.

كنت -يا أُماه- محروماً من الطعام والماء، بل والنوم عدة أيام لا أعرف عددها، وكنت أود لو أعود إلى بلادي، وحينما أبلغتهم بذلك كانوا يسخرون بشدة ويقهقهون، ثم بعد فترة هدوء ظننت أنهم سيتركونني أرحل، لكنني بعدها فوجئت بهم ينقلونني إلى مكان جديد، ثم أعادوا تعذيبي مجدداً بشكل أبشع وأكثر إيلاماً، ولست أدري لماذا يفعلون بي ذلك؛ حيث تم إيهامي بالغرق، ومنذ ذلك الحين، لا أدري ما حدث لي، سوى أني جئت لهذا المكان البعيد.

أمى الغالية.. قولي لحكام بلادي: هناك آلاف مثلي لم يسأل عنهم أحد، ولم تهتز روما أو يهتز الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة من أجل حياتهم، قولي لهم إن هؤلاء يحتاجون أن ننظر إليهم بنظرة إنسانية كالتي ننظرها إلى أنفسنا، قولي لهم إن لهم أصدقاء كأصدقائي، وآباء وأبناء وزوجات وأحباباً، كانت لديهم أحلام وطموحات في بناء أوطانهم العادلة الحرة، لكن انتهازيتنا تآمرت عليهم.
قولي لهم إن ابنك دفع ثمن انتهازيتكم.
جوليو ريجيني

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.