المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سوسن عبدالباري  Headshot

ماذا نخفي في أعماقنا؟

تم النشر: تم التحديث:

في تلك اللحظة السحرية التي وجدتني فيها بعد غياب طال كثيرًا، اكتشفت من بين أشياء أخرى أنني قد نسيت أو ربما أكون لم أتعلم قط كيف أعبر عن نفسي، سنوات طال فيها صمتي حتى بيني وبين نفسي، فلم أكن أعترف بأنني غاضبة أو محبطة أو (ممرورة) ويبدو أن ملامحي وقتها قد تقمصت حالة الاغتراب هذه لدرجة أنها قد بهتت وفقدت القدرة على التعبير.. أنظر إلى وجهي في المرآة فلا أعرفني فأتحاشى النظر في المرات التالية، حالة من الاكتئاب؟ نعم وبكل تأكيد.. لماذا؟! سؤال صعب حتى بعد مرور سنوات أخرى أعدت فيها التعرف إلى ذاتي ومحاولة فك شيفرة أبجدية هذه الذات التي بعدت عني كثيرًا، هل كانت قد بعدت بالفعل، أم أنه أنا التي أبعدتها؟ أم أن هناك قوى قد وقفت بيني وبينها؟ الاحتمال الأخير هو الأرجح لدي والأقرب إلى التحليل..

فعندما نطلب لعبة ونحن صغار ويرفضها أهلنا ويذكروننا بأن ليس كل ما نرغب فيه نحصل عليه، تدفعنا حساسية الطفولة وعدم فهمنا لتعقيدات النفس إلى التقوقع داخل أنفسنا ونشعر بالذنب من مطالبنا، وعندما نصرخ ونحن أطفال، يؤنبنا الأب أو الأم على تلك الانفعالات المتطرفة فنراكم اللوم والتأنيب وبشكل يكاد يكون حتميًّا، نتعلم أن نخفي المشاعر ونكتم الأحاسيس ونزيح الرغبات إلى خلفية العقل، كل هذا من أجل أن نكون بنات وأولاد طيبين يعرفون معنى الإحساس بالآخر وعدم مضايقته، وتمضي بِنَا السنون ونصبح مسوخًا ولا نتعرف إلى أنفسنا في المرايا..

الكشف عن الذات مسألة لا نتعلمها صغارًا وعندما يقودنا الوعي إلى نقطة نرى فيها كم بعدنا عن ذواتنا ونود الرجوع، نكتشف صعوبة أن نهدم كل ما تعلمناه كي نعيد الاتصال مع تلك الذات التائهة في بحور الأدب والإحساس بالآخر..

بالطبع لم يقصد آباؤنا وأمهاتنا أن يحولونا إلى تلك المسوخ، على العكس فهم يربوننا كما تربوا هم، لكنهم فقط نسوا في خضم التشكيل المحموم لنا على قواعد الأدب والأخلاق أن يخبرونا كيف نتعرف إلى أنفسنا ونحاول إرضاءها كما نسعى بكل تصميم إلى أن نرضي الآخرين..

في يوم ما عندما بكيت أمام صديقة لي، نظرت إلي صديقتي قائلة: "يا حظك يا سوسن، تعرفين كيف تعبرين عن حزنك" وقتها عرفت أنني قد أعدت ترويض نفسي على الاتصال بنفسي وعرفت أيضًا أن معظمنا يمر بتلك الأزمة وليس جميعنا الذين يستطيعون النجاة..

المشكلة في تلك الأزمة المعتادة أنها تؤدي إلى أزمات أخرى على مستوى حياتنا العاطفية مع من نحب، فالزوجة تشتكي أن زوجها لا يعبر عما يشعر فتضطر إلى التخمين وقد تصيب أو تخطئ، وهو يُفاجأ بزوجته تطلب الطلاق وقد ظن دومًا أن كل شيء على ما يرام، ربما مجرد خلافات عادية يمر بها كل الأزواج، ذلك أنها أبدًا لم تستطع التعبير عما يزعجها ويفسد العلاقة من وجهة نظرها..

كيف نعالج أنفسنا من هذا الصمت؟
ينصح بعض المحللين النفسيين بشيء قد يبدو للوهلة الأولى مضحكًا، ألا وهو أن نتبنى عادةً سؤال أنفسنا ثلاث مرات كل يوم وفي أوقات مختلفة (بماذا أشعر الآن؟) ثم نكتب إجاباتنا وأمام كل لحظة شعورية نكتب كلمتين تذكرنا بسبب هذه المشاعر (غاضبة لأنه نسى عيد ميلادي)، (أشعر بالذنب لأَنِّي لم أُنجز العمل المطلوب مني في الموعد)، (سعيدة لأنه أعطاني نظرة حنان فشعرت كم لا أزال أحبه)..

نصيحة صغيرة لكنها قد تفلح في إعادتنا إلى أنفسنا، وربما نستعيد ملامحنا في المرآة..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع