المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سارة العمري Headshot

العبرة في البدايات

تم النشر: تم التحديث:

تنال المجتمعات الإنسانية صفاتها الأساسية من مجمل صفات أفرادها؛ فتتطوّر بتطوّرهم، وترقى برقيّ فكرهم ووعيهم وسلوكياتهم التي تحرّكها ثقافة قيمية مميزة وصلبة؛ لذلك إن كنّا نبحث عن معجزة تقلب الأحوال علّنا نعيش يوماً ما ضمن مجتمع حضاريّ له مكانته على الخارطة العلمية والاقتصادية والسياسية حكماً، فلننظر في المرآة، ولنحدث تغييراً.

ومع عودة بدايةٍ جديدةٍ لعامٍ جديد، من المهمّ أن نستغلّ ذاك الحماس المشتعل في داخلنا -رغم محاولتنا إطفاءه كي لا تخيب آمالنا كما سبق- لتغيير عاداتنا وطرائق تنفيذنا للأمور من أجل بداياتٍ أجمل، ورحلاتٍ أمتع، ونهاياتٍ مرضية أكثر.
فلنستحضر إذاً صندوق الأدوات التي سنحتاجها في العام الجديد:
1- اهتم بنفسك أوّلاً:
كما يقال: لا يمكنك السكب من إناءٍ فارغ
لكن لأنّنا في مجتمعات دول عالم ثالث (أو عاشر ربما) ووسائل الترفيه محدودة في ظلّ انشغال العقل في التفكير المتواصل بكيفية تأمين الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب ورعاية صحية ومعيشية.. ومع ضعف الخدمات الأساسية من مصادر حكومية، يبدو الأمر شبه مستحيل، أليس كذلك؟
كلّا.
المشكلة تماماً هي في عقليّتنا التي تنظر للموضوع وكأنّه محصور بما نحن محرومون منه، بالنصف الفارغ من الكوب الشهير. والحقيقة أنّ النفس مهما تعبت لكنّها تستكين بالأمور البسيطة المعنوية التي تعرفها عن نفسك جيداً:
انهض من أمام الحاسوب، اترك العمل وارتح إن أحسست بالتعب.
عبّر عن مشاعرك ولا تكبتها في نفسك ظانّاً أنّها لن تحفر فجوةً في قلبك!
تذكّر هوايات الطفولة التي هجرتها ظانّاً أنّ هذه أحد مراسم بلوغ سنّ الرشد والكآبة، أعدها إلى روتينك الحياتي وستشعر بالفرق.
تنزّه في الطبيعة، ابتع طعامك المفضّل، اشترِ قطعة الثياب التي تظنّ أنّك إن ارتديتها ستزيد ثقتك بنفسك وستعبّر عنك أكثر، أسعِد إنساناً محتاجاً للسعادة أكثر منك، ستكفيك ابتسامته الشاكرة لمدّة طويلة!
أرِح نفسك.. أعطِ نفسك الفرصة لتعيد الشحن ثمّ ستتفاجأ بالاختلاف الكبير الذي سينشأ على نفسيّتك وهمّتك.

2- لا تضع أهدافاً، خطّط:
في نهاية كل عام، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات ساخرة عن فشلنا في تحقيق الأهداف التي وضعناها في بدايته، فهل يكمن الخطأ في وضع الأهداف؟ بالطبع لا، الخطأ في وضع أهداف دون تخطيط، فالأمر أشبه بتحديد وجهة السفر ثم الانطلاق في عرض البحر دون خريطة ولا بوصلة ولا مؤونة، ثم نستغرب لمَ لَم نصل لوجهتنا.
وفي هذه النقطة عدّة جزئيات:
- التخطيط مسألة جدّيّة: لا تكفي خربشة بسيطة على ورق في وقت فراغٍ لرسم خطّة تصلح لتحقيق هدف.
- القاعدة الأولى في التخطيط: اصرف أياماً على التخطيط لتتفادى أخطاءً قد تتطلّب شهوراً للتفكير بها وحلّها.
- اصبر على حلمك: من ضمن محاور التخطيط الاستراتيجي أو إدارة المشاريع محور الوقت. لا تتخلّ عن حلمك إن ارتأى لك أنّ تحقيقه سيأخذ وقتاً طويلاً. فالمعجزات وحدها تحدث بتلقائية.
- عندما تضع كلّ العوامل المؤثرة في هدفك أمامك في خطّة ودراسة واضحة، ستزين أحمالك، أي ستعلم مدى جهوزيّتك لهذا الهدف، وقد تتعلّم أيضاّ بعض أسباب فشل محاولاتك السابقة، وهكذا تصبح قادراً على حلّها وتقوية مكامن ضعفك لتقلع من جديد!

3- تعلّم مهارة جديدة:
سواءً لحياتك الشخصية أو المهنية، المهارات ثروة مفقودة. فالمعلومات التي تحصّلها في زمن أصبحت فيه المعرفة مشاعاً لوحدها لا تكفي، وقراءة الكتب عن المهارات لا يجعلك متمرّساً فيها، ابحث عن فرص لتعلّم مهارات جديدة وسارع في التمرس عليها، ومن ثمّ علّم غيرك.
وقد تكون محظوظاً بما يكفي لتنهل العلم والمهارة من أحد روّادها أو المتمكّنين المتعمّقين فيها.
ومن المهارات العامّة المهمّة التي يُنصح تعلّمها بشكل سليم: إدارة الوقت، التخطيط الاستراتيجي، التدبير المالي، كتابة سيرة ذاتية بشكل محترف، فن التواصل والتعامل مع الناس (وعلم النفس الإجتماعي لهواة علوم النفس والاجتماع)، الإسعافات الأولية المنزلية وغيرها من المهارات المطلوبة في حياتنا اليومية لنتفادى الوقوع في أخطاء قد تكلّف غالياً.
أمّا المهارات المتخصّصة فأساسية لتستطيع مواكبة المنافسة القوية جداً في سوق العمل. لا تتردّد في استثمار وقتك وجهدك ومالك في تطوير مهاراتك المهنية في مجال تخصّصك فهذا سيزيد من خبرتك وسيعطيك قيمة إضافية في ساعة التوظيف.

4- تعلّم لغة العصر:
تقع هذه النقطة في خانة المهارات لكنّها تستحقّ مقطعاّ منفصلاً لأهميتها. إنّ اللغة هي أساس التواصل المعرفي بين الشعوب، وبما أنّنا تخلّفنا عن ركب التطوّر العلمي والحضاري في القرون الماضية بات حكماً علينا إن أردنا الارتقاء على سلّم التطوّر الحضاري وإعادة بناء مجتمعات واعية أن نتعلّم اللغة الإنكليزية. أغلبية المحتوى المعرفي على الإنترنت هو باللغة الإنكليزية. ناهيك عن أهميتها على سيرتك الذاتية فعالم الأعمال قائم على العلاقات العابرة للقارّات والتي تعتمد في تواصلها ومعاملاتها عبر البريد الإلكتروني على اللغة الانكليزية.
أضف إلى ذلك أهميتها في أبسط الأمور، في قراءة وصفة طبية، أو التواصل في بلاد أجنبية أثناء السفر أو حتى قائمة المأكولات في كثير من المطاعم!
تأكّد بأنّك عندما تتعلّمها، أو تتقوّى بها إن كنت تعلّمتها خاصّة في مجال تخصّصك، ستحسّ كما لو أنّ أبواباً من المعرفة والفرص قد فتحت أمامك.

5- خذ حاجتك من كنزٍ علميّ مجّاني:
الثورة الكبيرة في عالم التعليم التي لها من الفوائد ما لا يمكن حصره. إنّه عالم الدروس الجامعية المجانية على الإنترنت MOOC من أهم جامعات العالم وأكثرها ريادةً في الاختصاصات المتعدّدة. يكفي بأن تنشئ حساباً على مواقع كـ coursera.org أو edx.org وغيرها ليتفجّر أمامك نبع من العلم، حتى إنّ بإمكانك الحصول على شهادة بإتمامك المقرّر بنجاح لقاء مبلغ بسيط!
طبّق هذه الأداة لتحقيق أهدافك وسدّ ثغراتك وإضافة قيمة كبيرة إلى جعبتك المعرفية والمهنية.

6- غيّر نظرتك للواقعية:
إن كنت من الناس الذين يظنّون أنّ الواقعية هي أن نتمسّك بالسلبيات كي لا نبالغ في التفاؤل، فهذا غلوّ.
الواقعيّة هي أن نطّلع على الواقع كما هو بحسناته وسيئاته، بجماله وقبحه، ثم نختار لنا مكاناً فيه.

وفي عالمنا العربي، لا شكّ أنّ الظلمات أحاطت بنا من جوانب عديدة، لكنّ الحقيقة كذلك -إن اطّلعت عليها كاملةً إلى حدّ ما - بأنّ إبداعات لا حصر لها تخرج من أحضان المعاناة، والشباب في عالمنا ينجزون ما لم ينجزه غربي إن قارنّا المنتج والظروف، والأخبار تنبئ بموجة ثوريّة فكرية تعصف بأذهان الشباب العربي، تولّد مفكّرين عظام، وتنشئ جيلاً واعياً ذكياً جاهزاً للإعمار، عليك فقط أن تبحث عن هذه الأخبار في مكانها المناسب، وتكون جزءاً منها.

7- انتقل من ردّ الفعل إلى الفعل:
غالباً هذه هي النقطة الأصعب لا لشيء سوى أنّها جزءٌ من عقليتنا الجمعية، فنحن شعب توقف عن سلسلة التفكير والمبادرة ثم الإنجاز المستقلّ منذ عقود طويلة، واعتدنا أن تكون أفعالنا بمجملها ردّات فعل عابرة على المجريات، لا أكثر. ننشغل بلوم الظروف بدل النقد الذاتي البنّاء والبحث عن الحلول والتخطيط للمشاكل المستقبلية. فالحضارات لا تبنى على الانفعالات والأفعال الآنية التي تستجلب عزمها من الأحداث المحيطة وتختفي باختفائها. الحضارة تبنى على الرؤية والرسالة وحمل القيم الراسخة التي تدفعنا للتخطيط الإستراتيجي والمستدام، وصولاً بشكل تدريجي إلى خلق مشروع حضاري ضخم يرقى بالإنسان أولاً وأخيراً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.