المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساره عسيري Headshot

الإنسان بين الحاجة للعزلة الاختيارية "أحياناً" ومفهوم الوحدة

تم النشر: تم التحديث:

أن تقف وحيداً لبعض الوقت، لوقت قد يطول، لوقت طويل.. قد يعادل حياة لا يفهم البعض معناها.

الوقوف وحيداً لا يعني بالضرورة الوقوف الفعلي، لكنه مساحة يجد الإنسان نفسه داخلها، "يجد" هنا هي بكل معنى لـ"يجد".

يجد نفسه بالصدفة، يجد نفسه فيألف المساحة؛ لتكون هي البداية له ليعود للعالم مرة أخرى، يجد نفسه ليألفها، والألفة شعور يتجسد بمعرفة الذات قبل الآخر.
يجد نفسه بمعنى العثور على الذات، يجد نفسه بعد طول بحث وربما صمت فيه كل الأسئلة.

الوحدة مؤلمة أحياناً، ولكنها متى ما كانت انعكاساً للعزلة الاختيارية تحولت إلى انسجام مع الذات، وربما العالم، والعالم هنا قد تتم ترجمته على أنه "الآخر".

لا يفهم البعض معنى حاجة الإنسان للابتعاد بذاته وكل ما يعرف، قد يتهم بالغرور أو الهوس بالذات، والهوس بكل ما يبني عالمه.

هناك من يستطيع الحياة طالما كانت تحيط به موسيقاه التي يحب، كتبه وأفلامه، هناك من يتقن المشي كل يوم لوحده، وهناك من يحب مساءاته وحيداً بعد نهار فيه كل الصخب والضجيج، هناك مَن شغفه السفر لوحده، فتحولت الكرة الأرضية بجغرافيتها إلى تاريخ إنساني يألفه، وهناك مَن يرى في الوحدة حاجة للصمت، وربما لبعض الهدوء الذي لا يمكن له أن يجده في عالم من الحوارات الجانبية التي قد لا تعني شيئاً إلا أنها وقت يمضي، والأخبار العاجلة التي تنتقل بالإنسانية إلى حال يومي من الخوف والتوتر والقلق.

قرأت في مدونة أن الوحيد إنسان يعرف أهمية أن يكون لوحده بقدر معرفته لأهمية وجوده مع الآخر، لكن السؤال هو: في عالم يفترض من الإنسان دائماً الوجود ضمن حوار، علاقة إنسانية، أو حتى الوقوف في طابور طويل إن لم يحتم عليك الحديث مع الآخر فلا بد لك أن تبتسم بما قد يبدأ محادثة لا أهمية لها سوى أنها تقطع الوقت (أنا لا أعترض على الابتسامة أبداً، بل على العكس، فأنا ممن ينادون بها دائماً)، هل بإمكان الإنسان أن يقف لوحده؟ أو أن يمشي لوحده أو أن يفرح لوحده دون نظرات الأسى التي تتمنى له رفيقاً يشاركه اللحظة دون استيعاب فكرة أنه لوحده؛ لأنه لا يريد أكثر من التفاتة يومية للسماء، وتأمل من مسافة لعالم لا يكف عن الحركة والضجيج، ربما هو لا يريد أكثر من كوب قهوة في مساء اليوم لا يتجاوب مع فرضية قهوة الصباح المملة، وقد لا يريد أيضاً أكثر من الصمت أمام فيلم جميل قد يكون جزءاً من حوار مستقبلي بينه وبين إنسان آخر، لم ينتظر هذا الحديث، بل كان صدفة قدرية مست روح كلا الاثنين.

الوحدة ليست مرضاً، هي مؤلمة أحياناً، ومخيفة في أحيان أخرى، الوحدة هنا هي كل ما لا تعرف وقد تحول إلى كل ما يعرفك، ألمها يتعدى البكاء، يسحق القلب، ويحطم بعض الذاكرة؛ لأنها لا تجد من يهتم بها، لكنها أيضاً حاجة إنسانية لا بد من الاستجابة لها؛ لئلا يصاب الإنسان بنوبة هلع يخشى فيها فقدان بعض ذاته.

العالم الحديث مزعج بكل آليات التواصل التي فرضت نفسها مهما ضحكنا على أنفسنا وقلنا بأننا نتحكم بساعات اتصالنا بالعالم.

العالم الحديث لا يشبه العالم الذي كان قبله أبداً، هو ربما أفضل؛ لأنه سمح لنا بالكثير من المعلومات التي لم يكن بالإمكان الوصول لها إلا عبر الإنترنت، لكن هذه السرعة والوفرة كذلك تحولت بنا إلى وحدة افتراضية تجعلنا بالقرب من الآخر، ولو كنا لوحدنا، فانتفت بذلك صفة الحميمية، واكتسبت العلاقات طابع الوقوف بالقرب من "كل ما نعرف"، ولكنها خلقت مساحة افتراضية بيننا وبين "مَن نعرف"، فتحولت العلاقة إلى فوضى من كل ما يمكن قوله، وما يمكن الصمت عنه حتى نختنق بتفاصيلنا؛ لنعود إلى عزلتنا الاختيارية، وتأخذ الوحدة شكلها الحقيقي في قرار يبدل كونها حالاً إنسانية إلى قرار باعتزال الناس للاستجابة إلى حاجة الذات للتنفس، بعيداً كل هذا الزخم.

وأنا أكتب هذه الكلمات تذكرت أياماً ابتعدت فيها عن كافة وسائل التواصل الاجتماعي، وأياماً أخرى قررت فيها الصمت عن بعض المواضيع التي لا يمكن الحديث فيها دون الوصول إلى نهاية ترضي الطرفين، حتى وإن كان اختلافاً في الرأي، من المفترض به ألا يفسد للود قضية.

وتذكرت كذلك أياماً تمكن فيها الحزن مني حتى عبث بكل قدرة لي على قراءة الفرح في مرآتي وفي وجوه الآخرين.

تذكرت حاجتي للعزلة، ووقوفي لوحدي وربما جلوسي لوحدي دون أن أعود للعالم الذي أعرف، إلا بعد أن يعرفني مرة أخرى، وهذه الفكرة هي مفهومي للوحدة وربما العزلة الاختيارية.

لا بد من صديق ينشر الحب بينك وبين عالمك، لكن لا بد من عين تبصر مقر الإنسان على الأرض، وأن تعيد له بعض إدراكه لذاته وللمساحة التي يقف عليها في الكون؛ ليعي أنه لوحده أو مع الآخرين، هو إنسان وحيد سقى الله أيامه بالحب والصداقات، وربما يبدأ نهاره بحاجة للصمت، تستمر أو تنقطع بوجوده أمام سبب للحديث.

قرأت مقالة عن أهمية أن تكون وحيداً، من موقع BrainPickings، وألهمت المقالة هذه الكلمات وأجابتني عن كثير من التساؤلات التي لا يتفهمها البعض حين يراك وحيداً، ويخنقك بكل ما يمكن أن يجعلك تضيق برفقته، ويظنك قد ضقت بأنك وحيد دون رفقته، سخرية مؤلمة، لكنها حقيقة يومية.

تفاصيل اليوم قد تكون مملة وانعكاساً حقيقياً لكلمة روتين، لكنها أيضاً قد تكون حقيقية جداً وتجسد جمال معرفتك بذاتك، واللهفة للحياة التي تعرف خلال التفاصيل التي تعرف، وربما في مرحلة من حياتك مشاركتها مع مَن تعرف.

لمَ كتبت هذه الكلمات؟ لم يكن تشجيعاً للعزلة الاختيارية، أو البقاء في دور رفيق قريب أطول وقت ممكن، لكنها حاجة إنسانية أعرف أنها لا تتربع على هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية، لكنها حاجة إنسانية تبني بعض الهوية، ولا بد من تلبيتها خلال هذا الضجيج من أخبار وواجبات اجتماعية وصحف وتواصل اجتماعي وجد مكانه بين كل علاقاتنا، وربما بدل طريقة وصولنا للمعلومة، حتى إنه، أي التواصل الاجتماعي، رمى البعض بكسل في كل مناحي الحياة وأعطاهم مبرراً للانزعاج من فكرة وحدة وعزلة البعض الاختيارية.

الإنصات للذات مهم، ومعرفة الذائقة الشخصية مهمة، وإدراك مساحة الشغف من الحياة اليومية تحفظ بعض الذات الإنسانية، ولا يمكن الوقوف على هذه الأفكار الثلاث دون الوقوف وحيداً لفترة قد تقصر أو تطول.

السفر والارتحال والعودة من الرحلة، كما يقول هنري ميللر، هي رحلة تعطي النظر رؤية جديدة لما حولنا، ومثل السفر أو الابتعاد قليلاً والتنفس بهدوء والصمت والتأمل ولو كان لحلقات مسلسل كارتوني قديم، توم وجيري مثلاً، هي لحظات لا يمكن للعقل فيها إلا أن يقترب من القلب أكثر، وربما بالعودة لنبض سرعته تسمح بالضحك والفرح، وربما بالعودة إلى أسباب السعادة الحقيقية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.